فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 400

ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).

فهذا الحديث الصحيح ليس فيه ذكر التصوير متى يكون، لكن فيه أن الملك يكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد. وأما حديث (إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون يومًا. . .) الخ، فهذا الحديث فيه أن تصويرها بعد اثنتين وأربعين ليلة، وأنه بعد تصويرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، يقول الملك: يا رب أذكر أم أنثى؟ ومعلوم أنها لا تكون عظامًا ولحمًا حتى تكون مضغة، فهذا موافق لذلك الحديث في أن كتابة الملك تكون بعد ذلك. إلا أن يقال: المراد تقدير اللحم والعظام.

وقد روي هذا الحديث بألفاظ فيها إجمال بعضها أبين من بعض؛ فمن ذلك ما رواه مسلم أيضًا عن حذيفة (9) : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن النطفة تكون في الرحم أربعين ليلة ثم يتسور عليها الذي يخلقها فيقول: يا رب أذكر أم أنثى فيجعله الله ذكرًا أو أنثى. ثم يقول: يا رب سَويٌّ أو غير سوي؟ فيجعله الله تعالى سويًا أو غير سوي. ثم يقول: يا رب: ما أجله وخُلُقه؟ ثم يجعله شقيًا أو سعيدًا) ، وفي لفظ لمسلم قال: (يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ليلة أو بخمس وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أو سعيد؟ فيكتب. يا رب أذكر أم أنثى؟ فيكتب رزقه ويكتب عمله وأثره وأجله. ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص) ، فهذا اللفظ فيه تقديم كتابة السعادة والشقاوة. ولكن يُشعر بأن ذلك يكتب بحيث مضت الأربعون. ولكن هذا اللفظ لم يحفظه رواته كما حُفظ غيره، ولهذا شكَّ أبَعْدَ الأربعين أو خمس وأربعين، وغيره إنما ذكر أربعين أو اثنتين وأربعين وهو الصواب؛ لأن من ذكر اثنين وأربعين ذكر طرفي الزمان ومن ذكر أربعين حذفهما. ومثل هذا كثير في ذكر الأوقات فقدَّم المؤخر وأخر المقدم. أو يقال: إنه لم يذكر ذلك بحرف"ثم"فلا يقتضي ترتيبًا. وإنما قصد أن هذه الأشياء تكون بعد الأربعين. وحينئذ يقال أحد: الأمرين لازم؛ إما أن تكون هذه الأمور عقيب الأربعين وهو الصواب.

ثم تكون عقب المائة والعشرين ولا محذور في الكتابة مرتين. ويكون المكتوب أولًا فيه كتابة الذكر والأنثى. أو يقال: إن ألفاظ هذا الحديث لم تضبط حق الضبط، ولهذا اختلفت رواته في ألفاظه ولهذا أعرض البخاري عن روايته. وقد يكون أصل الحديث صحيحًا ويقع في بعض ألفاظه اضطراب فلا يصلح حينئذ أن يعارض بها ما ثبت في الحديث الصحيح المتفق عليه الذي لم تختلف ألفاظه بل قد صدقه غيره من الحديث الصحيح.

فقد تلخص الجواب: أن ما عارض الحديث المتفق عليه إما أن يكون موافقًا له في الحقيقة، وإما أن يكون غير محفوظ. ولا ريب أن ألفاظه لم تضبط كما تقدم ذكر الاختلاف فيها وأقربُها اللفظ الذي فيه تقدم التصوير على تقدير الأجل والعمل والشقاوة والسعادة. وغاية ما يقال فيه: إنه يقتضي أنه قد يُخلَّق في الأربعين الثانية قبل دخوله في الأربعين الثالثة، وهذا لا يخالف الحديث الصحيح ولا نعلم أنه باطل. بل قد ذكر النساء أن الجنين يخلق بعد الأربعين. وأن الذكر يُخلَّق قبل الأنثى. وهذا يقدم على قول من قال من الفقهاء: إن الجنين لا يُخلَّق في أقل من واحد وثمانين يومًا. فإن هذا إنما بنوه على أن التخليق إنما يكون إذا صار مضغة ولا يكون مضغة إلا بعد الثمانين. والتخليق ممكن قبل ذلك وقد أخبر به من أخبر من النساء. ونفس العلقة يمكن تخليقها، انتهى ملخص ما أجاب به الشيخ في هذا الموضوع.

وقال ابن رجب - رحمه الله - في"شرح الأربعين" (10) : وقد جمع بعضهم بين هذه الأحاديث والآثار وبين حديث ابن مسعود فأثبت الكتابة مرتين، وقد يقال: مع ذلك إن إحداهما في السماء والأخرى في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت