سؤال الأموات فليس بمشروع ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا استحب ذلك أحد من سلف الأمة، لأن ذلك مفسدة راجحة وليس فيه مصلحة راجحة. والله أعلم.
قال - رحمه الله - (21) : ومن عبادة الله الإحسان إلى الناس حيث أمرهم الله سبحانه به كالصلاة على الجنازة، وكزيارة قبور المؤمنين والسلام عليهم والدعاء لهم، هو من باب الإحسان إلى الموتى الذي هو واجب أو مستحب؛ فإن الله تعالى أمر المسلمين بالصلاة والزكاة. فالصلاة حق الحق في الدنيا والآخرة، والزكاة حق الخلق. فالرسول أمر الناس بالقيام بحقوق الله وحقوق عباده، فاستحوذ الشيطان على أتباعه فجعل قصدهم من زيارة القبور الشرك بالخالق وإيذاء المخلوق. فإنهم إذا كانوا إنما يقصدون بزيارة قبور الأنبياء والصالحين سؤالهم أو السؤال عندهم، أو أنهم لا يقصدون السلام عليهم ولا الدعاء لهم؛ كما يقصد بالصلاة على الجنازة، كانوا بذلك مشركين مؤذين ظالمين لمن يسألونه وكانوا ظالمين لأنفسهم، فجمعوا بين أنواع الظلم الثلاثة. فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد. وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد؛ فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده كما قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36] ، وهذا أمر بمعالي الأخلاق وهو سبحانه يحب مكارم الأخلاق ويكره سفسافها، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ، رواه الحاكم في"صحيحه" (22) ، وقد ثبت عنه في الصحيح - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى) ، وقال: (اليد العليا هي المعطية واليد السفلى السائلة) (23) وهذا ثابت عنه في الصحيح.
فأين الإحسان إلى عباد الله، من إيذائهم بالسؤال والشحاذة لهم؟ وأين التوحيد للخالق بالرغبة إليه، والرجاء له، والتوكل عليه، والحب له؛ من الإشراك به بالرغبة إلى المخلوق، والرجاء له، والتوكل عليه، وأن يحب كما يحب الله؟ وأين صلاح العبد في عبودية الله والذل له، والافتقار إليه؛ من فساده في عبودية المخلوق والذل له والافتقار إليه؟ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة، ونهى عن الأنواع الثلاثة التي تفسد أمور أصحابها، ولكن الشيطان يأمر بخلاف ما يأمر به الرسول قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس] ، وقال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف] ، وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزله على رسوله الذي قال فيه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر] ، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ} [الشورى] ، فالصراط المستقيم هو ما بعث الله به رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بِفِعْلِ ما أمر، وترك ما حظر، وتصديقه فيما أخبر، ولا طريق إلى الله إلا ذلك، وهذا سبيل أولياء الله المتقين فيما أخبر، ولا طريق إلى الله إلا ذلك، وهذا سبيل أولياء الله المتقين، وحزب الله المفلحين، وجند الله الغالبين، وكل ما خالف ذلك فهو من طريق أهل الغي والضلال. وقد نزه الله تعالى نبيه عن هذا وهذا، فقال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم] ، وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول في صلاتنا: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة] ، وقد روى الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (اليهود