وأما عثمان وعلي؛ فهذه دون تلك؛ فإن هذه قد حصل فيها نزاع فإن سفيان الثوري وطائفة من أهل الكوفة رجحوا عليًا، ثم رجع سفيان وغيره عن ذلك، وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعلي وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على علي. كما هو مذهب سائر الأئمة كالشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وأصحابه وغير هؤلاء من أئمة الإسلام، حتى إن هؤلاء تنازعوا فيمن يقدم عليًا على عثمان؛ هل يعد من أهل البدعة؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد. وقد قال أيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدراقطني: من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار! والحجة في هذا ما أخرجاه في الصحيحين (41) وغيرهما عن ابن عمر أنه قال: كنا نفاضل على عهد رسول الله ـ صلى الله وعليه وسلم ـ. كنا نقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. وفي بعض الطرق: يبلغ ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا ينكره.
ثم ذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ اختيار أهل الشورى الذين عهد إليهم عمر في اختيار خليفة من بعده لعثمان ـ رضي الله عنه ـ ومبايعتهم له، وقال: وهذا إجماع منهم على تقديم عثمان على علي، فلهذا قال أيوب وأحمد بن حنبل والدارقطني: من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
سئل شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ عما شجر بين الصحابة: علي ومعاوية وطلحة وعائشة؛ هل يطالبون به أم لا؟
فأجاب بقوله (42) : قد ثبت بالنصوص الصحيحة أن عثمان وعليًا وطلحة والزبير وعائشة من أهل الجنة، بل قد ثبت في الصحيح: أنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة (43) ، وأبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان هم من الصحابة ولهم فضائل ومحاسن.
وما يحكى عنهم كثير منه كذب، والصدق منه إن كانوا فيه مجتهدين والمجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر، وخطؤه يغفر له، وإن قدر أن لهم ذنوبًا فالذنوب لا توجب دخول النار مطلقًا إلا إذا انتفت الأسباب المانعة من ذلك، وهي عشرة.
منها التوبة، ومنها الاستغفار، ومنها الحسنات الماحية، ومنها المصائب المكفرة، ومنها شفاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومنها شفاعة غيره، ومنها دعاء المؤمنين ومنها ما يهدي للميت من الثوب والصدقة والعتق، ومنها فتنة القبر، ومنها أهوال القيامة، وقد ثبت في الصحيحين (44) عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وحينئذ فمن جزم في واحد من هؤلاء بأن له ذنبًا يدخل به النار قطعًا فهو كاذب مفتر فإنه لو قال ما لا علم به لكان مبطلًا؛ فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضه؟ فمن تلكم شجر بينهم - وقد نهى الله عنه - من ذمهم أو التعصب لبعضهم بالباطل معتد. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) (45) وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال عن الحسن: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) (46) ، وفي"الصحيحين"عن عمار أنه قال: (تقتله الفئة الباغية) (47) ، وقد قال تعالى في القرآن: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ