وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9] فثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف على أنهم مؤمنون مسلمون، وأن علي بن أبي طالب والذين معه كانوا أولى بالحق من الطائفة المقاتلة له. وقال ـ رحمه الله ـ (48) : وما ينبغي أن يعلم أنه وإن كان المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة والاستغفار للطائفتين جميعًا وموالاتهم، فليس من الواجب اعتقاد أن كل واحد من العسكر لم يكن إلا مجتهدًا متأولًا، بل فيهم المذنب والمسيء وفيهم المقصر في الاجتهاد لنوع من الهوى، لكن إذا كانت السيئة في حسنات كثيرة كانت مرجوحة مغفورة، وأهل السنة تحسن القول فيهم وتترحم عليهم وتستغفر لهم. لكن لا يعتقدون العصمة من الإقرار على الذنوب، وعلى الخطأ في الاجتهاد إلا لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن سواه فيجوز عليه الإقرار على الذنوب والخطأ، لكن هم كما قال الله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} [الأحقاف: 16] الآية، وفضائل الأعمال إنما هي بنتائجها وعواقبها لا بصورها.
وقال (49) ـ رحمه الله ـ الخلفاء الراشدون الأربعة ابتلوا بمعاداة بعض المنتسبين إلى الإسلام من أهل القبلة ولعنهم وبغضهم وتكفيرهم فأبو بكر وعمر أبغضتهما الرافضة ولعنتهما دون غيرهم من الطوائف، ولهذا قيل للإمام أحمد من الرافضي؛ إنهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر لبغضهم لهما، فالمبغض لهما هو الرافضي.
ولهذا قال بعض السلف: حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق. وقال عبد الله بن مسعود: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة (50) ؛ أي: من شريعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي أمر بها. فإنه قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) (51) ولهذا كان معرفة فضلهما على من بعدهما واجبًا لا يجوز التوقف فيه، بخلاف عثمان وعلي ففي جواز التوقف فيهما قولان.
وكذلك هل يسوغ الاجتهاد في تفضيل علي على عثمان؟ فيه روايتان: إحداهما: لا يسوغ ذلك. فمن فضل عليًا على عثمان خرج من السنة على البدعة لمخالفته لإجماع الصحابة. ولهذا قيل / من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. يروى ذلك عن غير واحد. منهم أيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدراقطني.
والثانية: لا يبدع من قدم عليًا على عثمان، لتقارب حال عثمان وعلي، إذ السنة هي الشريعة، وهي ما شرع الله ورسوله من الدين، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب؛ فلا يجوز اعتقاد ضد ذلك، ولكن يجوز ترك المستحب من غير أن يجوز اعتقاد ترك استحبابه. ومعرفة استحبابه فرض على الكفاية لئلا يضيع شيء من الدين. فلما قامت الأدلة الشرعية على وجوب اتباع أبي بكر وعمر وتقديمهما لم يجز ترك ذلك. وأما عثمان فمن أبغضه أو سبه أو كفره أيضًا مع الرافضة وهم طائفة من الشيعة الزيدية والخوارج. وأما علي فأبغضه وسبه أو كفره الخوارج. فالخوارج تكفر عثمان وعليًا وسائر أهل الجماعة. وأما شيعة علي الذين شايعوه بعد التحكيم وشيعة معاوية التي شايعته بعد التحكيم فكان بينهما من التقاتل وتلاعن بعضهم وتكافر بعضهم ما كان. ولم تكن الشيعة التي كانت مع علي على ما يظهر منها تنقص لأبي بكر وعمر، ولا فيها من تقدم عليًا على أبي بكر وعمر، ولا كان سب عثمان شائعًا فيها. وإنما كان يتكلم بعضهم به فيرد عليه آخر، وكذلك تفضيل علي عليه لم يكن مشهورًا فيها. انتهى المقصود من كلام الشيخ ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة وهي مسألة المفاضلة بين عثمان وعلي رضي الله عنهما.