لجميعهم، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الزمر] ، فأخبر أنه ضرب لجميع الناس في هذا القرآن من كل مثل، ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات كالسلاح في المحاربات، فإذا كان عدو المسلمين في تحصنهم وتسلحهم على صفة غير الصفة التي كان عليها فارس والروم؛ كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع وهو الأصلح في الدنيا والآخرة.
ولهذا لما حاصر النبي - صلى الله عليه وسلم - الطائف رماهم بالمنجنيق (21) ، وكذلك لما حوصر المسلمون عام الخندق اتخذوا من الخندق ما لم يحتاجوا إليه في غير الحصار، وقيل: إن سلمان أشار عليهم بذلك؛ فسلموا ذلك له؛ لأنه طريق إلى فعل ما أمر الله به ورسوله.
يبيّن الشيخ (22) - رحمه الله - معنى البدعة المنهي عنها وما لا يدخل في مدلولها من الأمور المستحدثة، التي فيها نفع للمسلمين وإظهار للحق. وأن ذلك ليس من البدعة المنهي عنها فيقول - رحمه الله: وقد قررنا في قاعدة"السنة والبدعة": أن البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك. وسواء كان هذا مفعولًا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لم يكن؛ فما فعل بعده بأمره من قتال المرتدين والخوارج المارقين (23) ، وفارس والروم والترك، وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب (24) ، وغير ذلك من سنته.
ولهذا كان عمر بن عبد العزيز (25) يقول: سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سننًا الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي من خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا. فسنة خلفائه الراشدين هي مما أمر الله به ورسوله، وعليه أدلة شرعية مفصلة. فكما أن الله بيَّن في كتابه مخاطبة أهل الكتاب وإقامة الحجة عليهم بما بينه من أعلام رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وبما في كتبهم من ذلك.
وما حرفوه وبدلوه من دينهم وصدّق ما جاءت به الرسل قبله حتى إذا سمع ذلك الكتابي العالم المنصف وجد ذلك كله من أبين الحجة وأقوم البرهان، والمناظرة والمحاجة لا تنفع إلا مع العدل والإنصاف. وإلا فالظالم يجحد الحق الذي يعلمه وهو المسفسط والمقرمط، أو يمتنع عن الاستماع والنظر في طريق العلم.
ثم بيّن الشيخ - رحمه الله - إمكان الاستفادة مما عند أهل الكتاب من حق فقال: وإذا حصل من مسلمة أهل الكتاب الذين علموا ما عندهم بلغتهم وترجموا لنا بالعربية انتُفع بذلك في مناظرتهم ومخاطبتهم؛ كما كان عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وكعب الأحبار وغيرهم يحدثون بما عندهم من العلم، وحينئذ يستشهد بما عندهم على موافقة ما جاء به الرسول ويكون حجة عليهم من وجه وعلى غيره من وجه آخر.
فإذا أراد المجادل منهم أن يذكر ما يطعن في القرآن بنقل أو عقل مثل أن ينقل عما في كتبهم عن الأنبياء ما يخالف ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - أو خلاف ما ذكر الله في كتبهم كزعمهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله أمرهم بتحميم الزاني دون رجمه أمكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين أن يطلبوا التوراة ومن يقرؤها بالعربية ويترجمها من ثقات التراجمة كعبد الله بن سلام ونحوه لمّا قال لحبرهم: ارفع يدك عن آية الرجم (26) فإذا هي تلوح،