فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 400

كيف يدخل علي مثل هذا؟ ثم قال: أتدري يا بُني ما مثل أبي الدرداء وأمثاله؟ مثلُهم مَثَلُ أقوام سمعوا كلامًا حفظوه لنا حتى نكون نحن الذين نفهمه ونعرف مراد صاحبه، ومثلُ بريد حمل كتابًا من السلطان إلى نائبه.

وكذلك ابن سينا وغيره يذكر من التنقص بالصحابة ما ورثه عن أبيه وشيعته القرامطة، حتى تجدهم إذا ذكروا في آخر الفلسفة حاجة النوع الإنساني إلى الإمامة عرّضوا بقول الرافضة الضلال، لكن أولئك يصرحون من السب بأكثر مما يصرح به هؤلاء.

ولهذا تجد بين الرافضة والقرامطة والاتحادية اقترانًا واشتباهًا يجمعهم أمور:

منها: الطعن في خيار هذه الأمة، وفيما عليه أهل السنة والجماعة وفيما استقر من أصول الملة وقواعد الدين، ويدَّعون باطنًا امتازوا به واختصوا به عمن سواهم، ثم هم مع ذلك متلاعنون متباغضون مختلفون. كما رأيت وسمعت من ذلك ما لا يحصى. كما قال الله عن النصارى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 14] ، وقال عن اليهود: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ} [المائدة: 64] .

وكذلك المتكلمون المخلِّطون الذين يكونون تارة مع المسلمين وإن كانوا مبتدعين، وتارة مع الفلاسفة الصابئين، وتارة مع الكفار والمشركين. وتارة يقابلون بين الطوائف وينتظرون لمن تكون الدائرة، وتارة يتحيرون بين الطوائف، وهذه الطائفة الأخيرة - يعني طائفة المتكلمين - قد كثرت في كثير ممن انتسب إلى الإسلام من العلماء والأمراء وغيرهم، لا سيما لما ظهر المشركون من الترك على أرض الإسلام بالمشرق في أثناء المائة السابعة، وكان كثير ممن ينتسب إلى الإسلام فيه من النفاق والردة ما أوجب تسليط المشركين وأهل الكتاب على بلاد المسلمين، فتجد أبا عبد الله الرازي يطعن في دلالة الأدلة اللفظية على اليقين وفي إفادة الأخبار للعلم، وهذان هما مقدمتا الزندقة. ثم يعتمد فيما أقر به من أمور الإسلام على ما عُلم بالاضطرار من دين الإسلام مثل العبادات والمحرمات الظاهرة، وكذلك الإقرار بمعاد الأجسام بعد الاطلاع على التفاسير والأحاديث يجعل العلمَ بذلك مستفادًا من أمور كثيرة؛ فلا يعطل تعطيل الفلاسفة الصابئين، ولا يقر إقرار الحنفاء العلماء المؤمنين.

وكذلك الصحابة، وإن كان"أي الرازي"يقول بعدالتهم فيما نقلوه وبعلمهم في الجملة؛ لكن يزعم في مواضع أنهم لم يعلموا شبهات الفلاسفة وما خاضوا فيه؛ إذ لم يجد مأثورًا عنهم التكلم بلغة الفلاسفة، وهذا لا يضرهم إذ العلم بلغات الأمم ليس مما يجب على الرسل وأصحابهم، بل يجب منه ما لا يتم التبليغ إلا به، فالمتوسطون بينهم من التراجمة يعلمون لفظ كل منهما ومعناه. فإن كان المعنيان واحدًا كالشمس والقمر، وإلا علموا ما بين المعنيين من الاجتماع والافتراق فينقل لكل منهما مراد صاحبه.

فالصحابة كانوا يعلمون ما جاء به الرسول وفيما جاء به بيان الحجة على بطلان كفر كل كافر، وبيان ذلك بقياس صحيح أحق وأحسن بيانًا من مقاييس أولئك الكفار، كما قال تعالى: {وَلَا يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] ، أخبر تعالى أن الكفار لا يأتونه بقياس عقلي لباطلهم، إلا جاءه الله بالحق، وجاءه من البيان والدليل وضرب المثل بما هو أحسن تفسيرًا وكشفًا وإيضاحًا للحق من قياسهم، وجميع ما تقوله الصابئة والمتفلسفة وغيرهم من الكفار من حكم أو دليل يندرج فيما علمه الصحابة، والله تعالى قد أرسل نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع العالمين وضرب الأمثال فيما أرسله به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت