تعالى: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} [الذاريات: 28: 29] ، وقال تعالى في سورة الحجر: {قَالُوا لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ} [الحجر: 54: 55] ، ولم يذكر أنه الذبيح، ثم لما ذكر البشارتين جميعًا البشارة بالذبيح، والبشارة بإسحاق بعده كان هذا من الأدلة على أن إسحاق ليس هو الذبيح، ويؤيد ذلك أنه ذكر هبته وهبة يعقوب لإبراهيم في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ} [الأنبياء: 72] ، ولم يذكر الله الذبيح.
الوجه الثالث: أنه ذكر في الذبيح أنه غلام حليم، ولما ذكر البشارة بإسحاق ذكر البشارة بغلام عليم، في غير هذا الموضع، والتخصيص لا بد له من حكمه، وهذا مما يقوي اقتران الوصفين والحلم هو مناسب للصبر الذي هو خلق الذبيح، وإسماعيل وصف بالصبر في قوله تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء: 85] ، وهذا أيضًا وجه ثالث؛ فإنه قال في الذبيح: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102] وقد وصف الله إسماعيل أنه من الصابرين ووصف الله تعالى إسماعيل بصدق الوعد في قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} [مريم: 54] ؛ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به.
الوجه الرابع: أن البشارة بإسحاق كانت معجزة لأن العجوز عقيم، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} [الحجر: 54] ، وقالت امرأته: {أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} .
وقد سبق أن البشارة بإسحاق في حال الكبر، وكانت البشارة مشتركة بين إبراهيم وامرأته، وأما البشارة بالذبيح فكانت لإبراهيم عليه السلام، وامتحن بذبحه دون الأم المبشرة به، وهذا مما يوافق ما نقل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه في الصحيح (24) وغيره: من أن إسماعيل لما ولدته هاجر غارت سارة فذهب إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة، وهناك أمر بالذبح، وهذا مما يؤيد أن هذا الذبيح دون ذلك.
ومما يدل على أن الذبيح ليس هو إسحاق أن الله تعالى قال: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] فكيف يأمر بعد ذلك بذبحه؟ والبشارة بيعقوب تقتضي أن إسحاق يعيش ويولد له يعقوب، بل يعقوب إنما ولد بعد موت إبراهيم عليه السلام، وقصة الذبيح كانت في حياة إبراهيم بلا ريب، ومما يدل على ذلك أن قصة الذبيح كانت بمكة، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما فتح مكة كان قرنا الكبش في الكعبة، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للسادن (إني آمرك أن تخمر قرني الكبش فإنه لا ينبغي أن يكون في القبلة ما يلهي المصلي) (25) ولهذا جعلت مني محلًا للنسك من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهم السلام، وهما اللذان بنيا البيت بنص القرآن، ولم ينقل أحد أن إسحاق ذهب إلى مكة لا من أهل الكتاب ولا غيرهم، لكن بعض المؤمنين يزعمون أن قصة الذبح كانت بالشام فهذا افتراء؛ فإن هذا لو كان ببعض جبال الشام لعرف ذلك الجبل، وربما جعل منسكًا كما جعل المسجد الذي بناه إبراهيم وما حوله من المشاعر.
انتهى ما ذكره الشيخ في قصة الذبيح ومنه اتضح أن الذبيح إسماعيل عليه السلام.