أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى] . وأما المنكر الذي نهى الله عنه فأعظمه الشرك بالله، وهو أن يدعو مع الله إلهًا آخر إما الشمس وإما القمر أو الكواكب أو ملكًا من الملائكة أو نبيًا من الأنبياء أو رجلًا من الصالحين، أو أحدًا من الجن أو تماثيل هؤلاء، أو قبورهم، أو غير ذلك مما يدعى من دون الله تعالى، أو يستغاث به أو يسجد له، فكل هذا وأشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله.
ما زال الشيخ - رحمه الله - يذكر أعظم أنواع المنكر الذي نهى الله عنه فبعد أن ذكر الشرك وهو أولها، قال (6) : وقد حرم الله قتل النفس بغير حقها وأكل أموال الناس بالباطل: إما بالغصب وإما بالربا أو الميسر كالبيوع والمعاملات التي نهى الله عنها، ونهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وتطفيف المكيال والميزان، والإثم والبغي بغير الحق. وكذلك مما حرمه الله ورسوله أن يقول الرجل على الله بلا علم؛ مثل أن يروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث يجزم بها وهو لا يعلم صحتها، أو يصف الله بصفات لم يَنْزل بها كتاب الله ولا أثارة من علم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سواء كانت من صفات النفي والتعطيل مثل قول الجهمية: إنه ليس فوق العرش ولا فوق السماوات، وأنه لا يُرى في الآخرة، وأنه لا يتكلم ولا يحب، ونحو ذلك، مما كذبوا به الله ورسوله.
أو كانت من صفات الإثبات والتمثيل: مثل من يزعم أنه يمشي في الأرض أو يجالس الخلق أو أنهم يرونه بأعينهم، أو أن السماوات تحويه وتحيط به، أو أنه سار في مخلوقاته إلى غير ذلك من أنواع الفرية على الله. وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ كما قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ} ؛ فإن الله شرع لعباده المؤمنين عبادات فأحدث لهم الشيطان عبادات ضاهاها بها. مثل أنه شرع لهم عبادة الله وحده لا شريك له فشرع لهم شركاء، وهي عبادة ما سواه والإشراك به، وشرع لهم الصلوات الخمس وقراءة القرآن فيها والاستماع له والاجتماع لسماع القرآن خارج الصلاة أيضًا؛ فأول سورة أنزلها على نبيه - صلى الله عليه وسلم: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] ؛ أمر في أولها بالقراءة، وفي آخرها بالسجود بقوله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] ، ولهذا كان أعظم الأذكار التي في الصلاة قراءة القرآن، وأعظم الأفعال السجود لله وحده لا شريك له. وقال تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] ، وقال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] ، وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن والباقي يستمعون، وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى - رضي الله عنهما: ذكِّرنا ربَّنا (7) ! فيقرأ وهم يستمعون، ومر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي موسى - رضي الله عنه - وهو يقرأ فجعل يستمع لقراءته فقال: (يا أبا موسى! مررت بك البارحة فجعلت أستمع لقراءتك) . قال: لو علمت لحبرته لك تحبيرًا (8) وقال: (لله أشد - أُذْنًا - أي استماعًا - إلى رجل يحسِّنُ الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته) (9)
وهذا هو سماع المؤمنين وسلف الأمة وأكابر المشائخ كمعروف الكرخي والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ونحوهم، وهو سماع المشائخ المتأخرين الأكبار كالشيخ عبد القادر والشيخ عدي بن مسافر والشيخ أبي مدين وغيرهم من المشائخ - رحمهم الله -. وأما المشركون فكان سماعهم كما ذكره الله تعالى في كتابه بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] ، قال السلف: المكاء: الصفير. والتصدية: التصفيق باليد، فكان المشركون يجتمعون في المسجد الحرام يصفقون ويصوتون. يتخذون ذلك عبادة وصلاة فذمهم الله على ذلك وجعل ذلك من الباطل الذي نهى