يواصل الشيخ (1) ـ رحمه الله ـ بيان مكانة علم السلف من الصحابة والتابعين والقرون المضلة، وامتيازهم على من جاء بعدهم من الخلف فيقول ـ رحمه الله ـ: ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين؛ كما يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدر السلف حق قدرهم، ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها: من أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم؛ فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة، ومن حذا حذوهم على طريقة السلف؛ إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك؛ بمنزلة الأميين الذي قال الله فيه: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} [البقرة: 78] وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.
فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف؛ فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف، وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين، فلما انتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى؛ بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى - وهي التي يسمونها طريقة السلف - وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف - وهي التي يسمونها طريقة الخلف - فصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع؛ فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه.
فلما ابتني أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا أميين بمنزلة الصالحين من العامة لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله، ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهال. بل هو في غاية الضلالة كيف يكون هؤلاء المتأخرون لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه أمرهم، حيث يقول:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ** وسيرت طرفي بين تلك العوالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر ** على ذقن أو قارعًا سن نادم
وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له، فما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم:
نهاية إقدام العقول عقال ** وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ** وحاصل دنيانا أذى ووبال