لاحقون، يغفر الله لنا ولكم، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم) (24) وعن عبد الله بن دينار قال: رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو لأبي بكر وعمر (25) وكذلك أنس بن مالك وغيره نقل عنهم أنهم كانوا يسلمون على النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله تعالى، لا يدعون مستقبلي الحجرة، وإن كان قد وقع في بعض ذلك طوائف من الفقهاء والصوفية والعامة من لا اعتبار لهم فلم يذهب إلى ذلك إمام متبع في قوله ولا من له في الأمة لسان صدق عام. ومذهب الأئمة الأربعة مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأراد أن يدعو لنفسه فإنه يستقبل القبلة.
يعني الشيخ: ويكون دعاؤه في المسجد لا عند القبر لأن القبور لا يدعى عندها؛ كما ذكر ذلك الشيخ في عدة مواضع مما سبق نقله. والله أعلم.
قال الشيخ: واختلفوا في وقت السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال الثلاثة: - مالك والشافعي وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه تلقاء وجهه. وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء باتفاقهم. ثم في مذهبه قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل: يجعلها عن يساره، فهذا نزاعهم في وقت السلام، وأما في وقت الدعاء فلم يتنازعوا في أنه إنما يستقبل القبلة لا الحجرة.
والحكاية التي تذكر عن مالك أنه قال للمنصور لما سأله عن استقبال الحجرة فأمره بذلك وقال: هو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم؛ كذب على مالك ليس لها إسناد معروف، وهو خلاف الثابت المنقول عنه بأسانيد الثقات في كتب أصحابه؛ كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي وغيره، مثل ما ذكروا عنه أنه سئل عن أقوام يطيلون القيام مستقبلي الحجرة يدعون لأنفسهم فأنكر مالك ذلك، وذكر أنه من البدع التي لم يفعلها الصحابة والتابعون لهم بإحسان. وقال: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ولا ريب أن الأمر كما قال مالك. فإن الآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين تبين أن هذا لم يكن من عملهم وعادتهم، ولو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعًا لكانوا هم أعلم بذلك، وكانوا أسبق إليه ممن بعدهم.
والداعي يدعو الله وحده، وقد نُهي عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى كما نُهي عن استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى كما ثبت في"صحيح مسلم"وغيره عن أبي مرثد الغنوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) (26) ، فلا يجوز أن يصلى إلى شيء من القبور، لا قبور الأنبياء ولا غيرهم لهذا الحديث الصحيح. ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر بل هذا من البدع المحدثة وكذلك قصد شيء من القبور لا سيما قبور الأنبياء والصالحين عند الدعاء. فإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى فدعاء الميت نفسِه أولى أن لا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يصلي مستقبله فلأن لا يجوز الصلاة له بطريق الأولى. فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئًا؛ لا يَطْلُبُ منه أن يدْعو الله له ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يشكي إليه شيء من مصائب الدنيا والدين، ولو جاز أن يشكي إليه ذلك في حياته؛ لأن الشكوى إليه في حياته لا تفضي إلى الشرك والشكوى بعد موته تفضي إلى الشرك؛ لأنه في حياته مكلف أن يجيب سؤال من سأله لما له في ذلك من الأجر والثواب، وبعد الموت ليس مكلفًا، ولا يلزم من جواز الشيء في حياته جوازه بعد موته. فقد كان في حياته - صلى الله عليه وسلم - يُصَلَّى خلفه ولا يجوز بعد موته أن يُصلَّى خلف قبره، وكذلك في حياته يطلب منه أن يأمر وأن يفتي وأن يقضي، ولا يجوز أن يطلب ذلك منه بعد موته، وأمثال ذلك كثير. والله أعلم.