هذه القضية هي أخطر ما غُزي المسلمون به من أسلحة الضلال؛ قال الشيخ (27) - رحمه الله: وإذا تبين ما أمر الله به ورسوله، وما نهى الله عنه ورسوله، في حق أشرف الخلق وأكرمهم على الله - عز وجل -، وسيد ولد آدم وخاتم الرسل والنبيين، وأفضل الأولين والآخرين، وأرفع الشفعاء منزلة، وأعظمهم جاهًا عند الله تبارك وتعالى؛ تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين أولى بأن لا يشرك به، ولا يتخذ قبره وثنًا يعبد، ولا يدعى من دون الله لا في حياته ولا في مماته، ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشائخ الغائبين ولا الميتين مثل أن يقول: يا سيدي فلانًا أغثني وانصرني، وادفع عني، أو أنا في حسبك، ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام.
وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم؛ لما كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم، كما يضل عباد الأوثان ويغويهم، فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به، وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان، وبعض ذلك صدق، لكن لا بد أن يكون في ذلك ما هو كذب، بل الكذب أغلب عليه من الصدق. وقد تقضي الشياطين بعض حاجاتهم وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذي جاء بالغيب حتى فعل ذلك، أو يظن أن الله تعالى صور ملكًا على صورته فعل ذلك، ويقول أحدهم: هذا سر الشيخ وحاله. وإنما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به المستغيث به. كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم. كما كان ذلك في أصنام مشركي العرب وهو اليوم موجود في المشركين من الترك والهند وغيرهم.
وكذلك المستغيثون من النصارى بشيوخهم الذين يسمونهم العلامس، يرون أيضًا من يأتي على صورة ذلك الشيخ النصراني الذي استغاثوا به، فيقضي بعض حوائجهم. وهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات من الأنبياء والصالحين والشيوخ وأهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غاية أحدهم أن يجري له بعض هذه الأمور، أو يحكى لهم بعض هذه الأمور فيظن أن ذلك كرامة وخرق عادة بسبب هذا العمل، ومن هؤلاء من يأتي إلى قبر الشيخ الذي يشرك به ويستغيث به، فينزل عليه من الهواء طعام أو نفقة أو سلاح، أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة لشيخه. وإنما ذلك كله من الشياطين، وهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان.
وقد قال الخليل - عليه السلام - {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ} [إبراهيم] ، وكما قال نوح - عليه السلام -. ومعلوم أن الحجر لا يضل كثيرًا من الناس إلا بسبب اقتضى ضلالهم، ولم يكن أحد من عباد الأصنام يعتقد أنها خلقت السماوات والأرض، بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب: منهم من صورها على صور الأنبياء والصالحين. ومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر. ومنهم من جعلها لأجل الجن، ومنهم من جعلها لأجل الملائكة. فالمعبود لهم في قصدهم إنما هو الملائكة والأنبياء والصالحون أو الشمس أو القمر وهم في نفس الأمر يعبدون الشياطين، فهي التي تَقصد من الإنس أن يعبدوها، وتُظهر لهم ما يدعوهم إلى عبادتها، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} [سبأ] ، وإذا كان العابد ممن لا يستحل عبادة الشياطين أوهموه أنه إنما يدعو الأنبياء والصالحين والملائكة وغيرهم ممن يحسن العابد ظنه به.