تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَامُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران] . ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المسيح فلم يقولوا: هو الله ولا ابن الله ولا ثالث ثلاثة كما تقوله النصارى، ولا كفروا به، وقالوا على مريم بهتانًا عظيمًا حتى جعلوه ولد بغيّة كما زعمت اليهود؛ بل قالوا: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول وروح منه.
وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما شاء ويمحو من شاء ويثبت كما قالته اليهود، ولا جوّزوا لأكابر علمائهم وعبادهم أن يغيروا دين الله فيأمروا بما شاءوا وينهوا عما شاءوا كما يفعله النصارى كما ذكر الله عنهم بقوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ} [التوبة: 31] ، قال عدي بن حاتم - رضي الله عنه-: قلت يا رسول الله ما عبدوهم؟ قال: (ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم) (21) .
يبين الشيخ - رحمه الله- بيان وسطية الأمة المحمدية بين الأمم فيقول (22) : وكذلك في صفات الله تعالى فإن اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق الناقصة فقالوا: هو فقير ونحن أغنياء. وقالوا: يد الله مغلولة. وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت إلى غير ذلك. والنصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به، فقالوا: إنه يخلق ويرزق ويغفر ويرحم ويتوب على الخلق ويثيب ويعاقب. والمؤمنون آمنوا بالله سبحانه وتعالى ليس له سمي ولا ند، ولم يكن له كفوًا أحد وليس كمثله شيء؛ فإنه رب العالمين وخالق كل شيء وكل ما سواه عباد له فقراء إليه: {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم] .
ومن ذلك أمر الحلال والحرام؛ فإن اليهود كما قال الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] ، فلا يأكلون ذوات الظفر مثل الإبل والبط ولا شحم الثِّرب والكليتين ولا الجدي في بطن أمه، إلى غير ذلك مما حرم عليهم من الطعام واللباس وغيرهما، حتى قيل: إن المحرمات عليهم ثلاثمائة وستون نوعًا. والواجب عليهم مائتان وثمانية وأربعون أمرًا. وكذلك شدد عليهم في النجاسات حتى لا يؤاكلوا الحائض ولا يجامعوها في البيوت. وأما النصارى فاستحلوا جميع المحرمات وباشروا جميع النجاسات، وإنما قال لهم المسيح: {وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50] ، ولهذا قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة] ، وأما المؤمنون فكما نعتهم الله به من قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف] .
ولما بيّن الشيخ - رحمه الله- وسطية الأمة بين الأمم بيّن وسطية أهل السنة والجماعة في الفرق المنتسبة إلى الإسلام فقال: وهكذا أهل السنة والجماعة في الفرق؛ فهم في باب أسماء الله وآياته وصفاته وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما نعت الله به نفسه حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات. فيؤمن أهل السنة