يتكلم الشيخ عن الترجمة وهي نقل معنى الكلام من لغة إلى لغة أخرى فيقول (1) : والترجمة والتفسير ثلاث طبقات:
أحدها: ترجمة مجرد اللفظ، مثل نقل اللفظ بلفظ مرادف، ففي هذه الترجمة تريد أن تعرف أن الذي يعنى بهذا اللفظ عند هؤلاء هو بعينه الذي يعنى باللفظ عند هؤلاء؛ فهذا علم نافع؛ إذ كثير من الناس يقيد المعنى باللفظ فلا يجرده عن اللفظين جميعًا.
والثاني: ترجمة المعنى وبيانه بأن يصور المعنى للمخاطب؛ فتصوير المعنى له وتفهيمه إياه قدر زائد على ترجمة اللفظ كما يشرح للعربي كتابًا عربيًا قد سمع ألفاظه العربية لكنه لم يتصور معانيه ولا فهمها. وتصوير المعنى يكون بذكر عينه أو نظيره؛ إذ هو تركيب صفات من مفردات يفهمها المخاطب يكوِّن ذلك المركب صور ذلك المعنى إما تحديدًا وإما تقريبًا.
الدرجة الثالثة: بيان صحة ذلك وتحقيقه بذكر الدليل والقياس الذي يحقق ذلك المعنى.
فإذا عرف القرآن هذه المعرفة فالكلام الذي يوافقه أو يخالفه من كلام أهل الكتاب والصابئين والمشركين لا بد فيه من الترجمة للَّفظ والمعنى أيضًا.
وحينئذٍ فالقرآن فيه تفصيل كل شيء، كما قال تعالى: {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ} [يوسف: 111] ، وقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] . ومعلوم أن الأمة مأمورة بتبليغ رسالة الله إلا كذلك، وأن تبليغه إلى العجم قد يحتاج إلى ترجمة لهم فيترجم لهم بحسب الإمكان.
وإذا كان من المعلوم أن أكثر المسلمين، بل أكثر المنتسبين منهم إلى العلم لا يقومون بترجمة القرآن وتفسيره وبيانه؛ فلأن يَعجز غيرُهم عن ترجمة ما عنده وبيانه أولى بذلك؛ لأن عقل المسلمين أكمل وكتابهم أقوم قيلًا، وأحسن حديثًا ولغتهم أوسع، لا سيما إذا كانت تلك المعاني غير محققة بل فيها باطل كثير؛ فإن ترجمة المعاني الباطلة أصعب لأنه ليس لها نظير من الحق من كل وجه.
فإذا سئلنا عن كلام يقولونه: هل هو حق أو باطل؟ ومن أين يتبين فيه الحق من الباطل؟ قلنا: من القول بالحجة والدليل؛ كما كان المشركون وأهل الكتاب يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مسائل أو يناظرونه. وكما كانت الأمم تجادل رسلها؛ إذ كثير من الناس يدعي موافقة الشريعة للفلسفة، كما يقول الذين