فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 400

ورجم النبي - صلى الله عليه وسلم - الزانيين منهم بعد أن أقام عليهم الحجة من كتابهم، وذلك أنه موافق لما أنزل الله عليه من الرجم وقال: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) (27) ، ولهذا قال ابن عباس في قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [المائدة: 44] ؛ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم - منهم وهو لم يحكم إلا بما أنزل الله عليه؛ كما قال: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ} [المائدة: 49] .

ثم بيّن الشيخ ما يقابل به تحريفهم وتحايلهم بأن يطلب منهم إحضار أصل التوراة وتلاوتها، كما قال سبحانه: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَاتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران] ؛ فأمرنا أن نطلب منهم إحضار التوراة وتلاوتها إن كانوا صادقين في نقل ما يخالف ذلك؛ فإنهم كانوا: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 78] ، و {يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ} [البقرة: 79] ، ويكذبون في كلامهم وكتابهم، فلهذا لا تقبل الترجمة إلا من ثقة؛ فإذا احتج أحدهم على خلاف القرآن برواية عن الرسل المتقدمين مثل الذي يُروى عن موسى أنه قال:"تمسكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرض"، أمكننا أن نقول لهم: في أي كتاب هذا؟ أحضروه! وقد علمنا أن هذا ليس في كتبهم وإنما هو مفترى مكذوب. وإن ذكروا حجة عقلية فهمت أيضًا؛ مما في القرآن بردها إليه، مثل إنكارهم للنسخ بالعقل، حتى قالوا: لا ينسخ ما حرمه ولا ينهى عما أمر به، فقال تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142] . قال البراء بن عازب - كما في"الصحيحين": هم اليهود (28) ، فقال سبحانه: {قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] ، فذكر ما في النسخ من تعليق الأمر بالمشيئة الإلهية، ومن كون الأمر الثاني قد يكون أصلح وأنفع. فقوله: {يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] بيان للأصلح والأنفع. وقوله: {مَن يَشَاءُ} رد للأمر إلى المشيئة.

وعلى بعض ما في الآية اعتماد جميع المتكلمين حيث قالوا: التكليف إما تابع لمحض المشيئة كما يقوله قوم، أو تابع للمصلحة كما يقوله قوم، وعلى التقديرين فهو جائز.

ثم إنه بيّن سبحانه وقوع النسخ بتحريم الحلال في التوراة بأنه أحل لإسرائيل أشياء ثم حرمها في التوراة، وأن هذا كان تحليلًا شرعيًا بخطاب لم يكونوا استباحوه بمجرد البقاء على الأصل حتى لا يكون رفعه نسخًا كما يدعيه قوم منهم. وأمر بطلب التوراة في ذلك وهكذا وجدناه فيها كما حدثنا بذلك مُسلمة أهل الكتاب. وهكذا مناظرة الصابئة الفلاسفة والمشركين ونحوهم فإن الصابئ الفيلسوف إذا ذكر ما عند قدماء الصابئة الفلاسفة من الكلام الذي عرب وترجم بالعربية؛ فإن ذَكر ما لا يتعلق بالدين في مسائل الطب والحساب ما غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا فهذا جائز كما يجوز السكنى في ديارهم ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض كما عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر، وكما استأجر النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وأبو بكر ابن أريقط (29) وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلمهم وكافرهم وكان يقبل نصحهم، وكان أبو طالب ينصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ويذب عنه مع شركه؛ فأخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال بالكافر واستطبابه. وإن ذكروا ما يتعلق بالدين فإن نقلوه عن الأنبياء كانوا فيه كأهل الكتاب وأسوأ حالًا، وإن أحالوه على القياس العقلي فإن وافق ما في القرآن فهو حق وإن خالفه ففي القرآن بيان بطلانه، وإن كان ما يذكرونه مجملًا فيه الحق؛ قُبل الحق ورُدَّ الباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت