فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 400

الصالحين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكذلك مدلول أسمائه وصفاته وهو حقيقتها التي لا يعلمها إلا هو، وأما التأويل الذي يعلمه العلماء فهو التفسير وبيان المعنى المراد وهو التأويل الذي لا يعاب بل يحمد.

ذكر الشيخ (27) - رحمه الله - قاعدة جليلة في بيان الضابط الذي عرف به ما يجوز على الله وما لا يجوز في باب الأسماء والصفات؛ لأن الاعتماد في النفي على مجرد نفي التشبيه، وفي الإثبات على مجرد الإثبات من غير تشبيه؛ ليس بسديد؛ لأنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز. فليس المراد نفي مطلق التشبيه وإنما المراد نفي التشبيه من كل وجه.

يريد الشيخ - رحمه الله - ما سبق بيانه من أن اشتراك صفات الخالق وصفات المخلوقين في اللفظ والمعنى العام لا يقتضي تشابههما في الحقيقة والكيفية.

ثم ذكر - رحمه الله - غلط الفرق الضالة في هذا الباب، وأن ذلك بسبب ما اعتمدوه من قواعد وصفوها من عند أنفسهم وحكموا على من خالفها بأنه مشبه ضال، فالمعتزلة جعلوا أخص وصف الإله القِدَم، فمن أثبت لله صفة قديمة فهو مشبه؛ فمن قال: إن لله علمًا قديمًا أو قدرة قديمة كان عندهم مشبهًا ممثلًا؛ لأن من أثبت لله صفة قديمة فقد أثبت له مِثْلًا قديمًا. ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخص وصفه ما لا يتصف به غيره مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك. ومن القواعد التي مشى عليها المعتزلة في نفيهم للصفات ما ذكره الشيخ - رحمه الله - عنهم أنهم يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز، والأجسام متماثلة؛ فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلًا لسائر الأجسام وهذا هو التشبيه.

ثم بين الشيخ أن المثبتين للصفات يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى - يعني أن إثبات الصفات يقتضي التجسيم - فيقولون:"إثبات الصفات لا يقتضي التجسيم"، وتارة يجيبون بمنع المقدمة الثانية"يعني أنه إثبات وإن اقتضى التجسيم فالأجسام غير متماثلة"، وتارة يجيبون بمنع كل من المقدمتين"يعني فليس إثبات الصفات يقتضي التجسيم وليست الأجسام متماثلة".

قال الشيخ: والمقصود هنا أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيمًا بناء على تماثل الأجسام والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم.

ثم بيَّن الشيخ - رحمه الله - الضابط الصحيح في نفي ما ينفى عن الله تعالى، فقال: وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما ينفى على مجرد نفي التشبيه لا يفيد؛ إذ ما من شيئين إلا يشتبهان من وجه ويفترقان من وجه بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب ونحو ذلك مما هو سبحانه مقدس عنه؛ فإن هذه طريقة صحيحة، وكذلك إذا أثبت له صفات الكمال ونفى مماثلة غيره له فيها. فإن هذا نفي المماثلة فيما هو مستحق له وهذا حقيقة التوحيد، وهو أن لا يشركه شيء فيما هو من خصائصه، وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا يماثله فيه أحد. ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف به نفسه من الصفات ونفي مماثلته بشيء من المخلوقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت