فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 400

هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل: 76] ، وجعله مفتيًا في قوله: {قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [النساء: 127] ؛ أي: ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن، وجعله هاديًا ومبشرًا في قوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} [الإسراء: 9] . وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} [النساء: 82] ، وهو الاختلاف المذكور في قوله: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات] .

فالتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه بحيث يصدق بعضه بعضًا. فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن ملزوماته؛ إذا لم يكن هناك نسخ، وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته أو بثبوت ملزوماته. وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته بل ينفيه أو ينفي لوازمه. بخلاف القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضًا فيثبت الشيء تارة وينفيه أخرى، أو يأمر به وينهى عنه في وقت واحد ويفرق بين المتماثلين فيمدح أحدهما ويذم الآخر. فالأقوال المختلفة هنا هي المتضادة والمتشابهة هي المتوافقة، وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ: فإذا كانت المعاني يوافق بعضها بعضًا، ويعضد بعضها بعضًا، ويناسب بعضها بعضًا ويشهد بعضها لبعض ويقتضي بعضها بعضًا كان الكلام متشابهًا؛ بخلاف الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضًا. فهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له؛ فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضًا.

ثم تكلم الشيخ - رحمه الله - عن الإحكام الخاص فقال: الإحكام الخاص ضد التشابه الخاص، والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله، وليس كذلك، والإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر. وهذا التشابه إنما يكون بقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما، ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما فيكون مشتبهًا عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا يتميز معه قد يكون من الأمور النسبية الإضافية، بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض. ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه؛ كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فيظن أنه مثله، فعلم العلماءُ أنه ليس مثله وإن كان مشبهًا له من بعض الوجوه.

ومن هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق بالباطل حتى تشتبه على بعض الناس. ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل والقياس الفاسد، إنما هو من باب الشبهات؛ لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه. إلى أن قال - رحمه الله: ومن هداه الله فرق بين الأمور وإن اشتركت في بعض الوجوه، وعلم ما بينهما من الجمع والفرق والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام، لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق، ثم ضرب الشيخ - رحمه الله - لذلك مثلًا بكلمة"نحن"و"إنا"؛ يتكلم بهما الجمع ويتكلم بهما الواحد العظيم. فإذا تمسك النصراني بقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} [الحجر: 9] ، ونحوه على تعدد الآلهة كان المحكم كقوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 163] ، ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحدًا يزيل ما هناك من الاشتباه، وكان ما ذكره من صيغة الجمع مبينًا لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم.

ثم بيَّن الشيخ - رحمه الله - التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، والتأويل الذي يعلمه العلماء؛ بأن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو الحقيقة المغيَّبة عنا مثل ما في الجنة من الماء واللبن والفواكه، وما أعده الله لعباده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت