تكلم الشيخ - رحمه الله - عن الجن من حيث وجودهم وتكليفهم وانقسامهم إلى مطيع وعاص وعن جزائهم، فقال (1) - رحمه الله: وجودهم ثابت بطرق كثيرة غير دلالة الكتاب والسنة. فإن من الناس من رآهم، وفيهم من رأى من رآهم وثبت ذلك عنده بالخبر واليقين، ومن الناس من كلمهم وكلموه، ومن الناس من يأمرهم وينهاهم ويتصرف فيهم. وهذا يكون للصالحين وغير الصالحين.
وقال (2) : إنهم مأمورون بالفروع والأصول بحسبهم فإنهم ليسوا مماثلي الإنس في الحد والحقيقة، لكنهم مشاركون للإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم، هذا ما لم أعلم فيه نزاعًا بين المسلمين.
وكذلك لم يتنازعوا أن أهل الكفر والفسوق والعصيان منهم مستحقون لعذاب النار كما يدخلها من الآدميين، لكن تنازعوا في أهل الإيمان منهم، فذهب الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد إلى أنهم يدخلون الجنة، وروي في حديث رواه الطبراني: (أنهم يكونون في ربض الجنة يراهم الإنس من حيث لا يرونهم) (3) ، وذهب طائفة منهم أبو حنيفة فيما نقل عنه إلى أن المطيعين منهم يصيرون ترابًا كالبهائم ويكون ثوابهم النجاة من النار، وهل فيهم رسل، أم ليس فيهم إلا نذر؟ على قولين. فقيل: فيهم رسل لقوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} [الأنعام: 130] . وقيل: الرسل من الإنس. والجن فيهم النذر. وهذا أشهر. فإنه أخبر عنهم باتباع دين محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأنهم {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى} [الأحقاف: 29 - 30] الآية. قالوا: وقوله: {أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} كقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن] ، وإنما يخرج من المالح، وكقوله: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} [نوح] والقمر في واحدة. وأما التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم فدلائله كثيرة، مثل ما في مسلم عن عبد الله بن مسعود: عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن. فانطلقوا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد فقال:(لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون وكل بعرةٍ علفُ لدوابكم) . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لا تستنجوا بالعظم والروث) (4) ، وذلك لئلا يفسد عليهم طعامهم وعلفهم. وهذا يبين أن ما أباح لهم من ذلك ما ذكر اسم الله عليه دون ما لم يذكر اسم الله عليه، وقال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} إلى قوله: {إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] ، فأخبر عن الشيطان أنه يخاف الله. والعقوبة إنما تكون على ترك مأمور أو فعل محظور. وأيضًا فإبليس الذي هو أبو الجن لم تكن معصيته تكذيبًا، فإن الله أمره بالسجود وقد علم أن الله أمره ولم يكن بينه وبين الله رسول يكذبه، ولما امتنع عن السجود لآدم عاقبه الله العقوبة البليغة، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إذا سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكي. . .) الحديث (5) ، وقد قال تعالى في قصة سليمان: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} [سبأ] ، وقد جعل في ذلك ما أمرهم به من طاعة سليمان.