وأما إن كان ممن لا يحرم عبادة الجن عرّفوه أنهم الجن، وقد يطلب الشيطان المتمثل له في صورة الإنسان أن يسجد له أو أن يفعل به الفاحشة، أو أن يأكل الميتة ويشرب الخمر، أو أن يقرِّب لهم الميتة. وأكثرهم لا يعرفون ذلك. بل يظنون أن من خاطبهم إما ملائكة وإما رجال من الجن يسمونهم: رجال الغيب. ويظنون أن رجال الغيب أولياء الله غائبون عن أبصار الناس، وأولئك جن تمثلت بصور الإنس، أو رؤيت في غير صور الإنس. وقال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن] ، وكان أحدهم إذا نزل بواد يخاف أهله قال: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، وكانت الإنس تستعيذ بالجن فصار ذلك سببًا لطغيان الجن، وقالت: الإنس تستعيذ بنا، وكذلك الرقى والعزائم الأعجمية تتضمن أسماء رجال من الجن يُدْعَون ويُستغاث بهم، ويقسم عليهم بمن يعظمونه، فتطيعهم الشياطين في بعض الأمور. وهذا من جنس السحر والشرك. قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] ، وكثير من هؤلاء يطير في الهواء وتكون الشياطين قد حملته وتذهب به إلى مكة وغيرها، ويكون مع ذلك زنديقًا يجحد الصلاة، وغيرها مما فرض الله ورسوله، ويستحل المحارم التي حرمها الله ورسوله، وإنما يقترن به أولئك الشياطين لما فيه من الكفر والفسوق والعصيان.
هذا ما ذكره الشيخ من ضوابط المتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فمما لا شك فيه أن الله سبحانه أوجب على المسلمين متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ والاقتداء به وجعل سبحانه ذلك علامة على محبة الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] ، وإنما يتابع ويقتدى به - صلى الله عليه وسلم - فيما هو من التشريع لا ما هو من العادات. وأيضًا إذا فعل بعض الصحابة فعلًا أو قال قولًا لم يوافقه عليه بقية الصحابة، وكان ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخالفه فإنه لا يتابع عليه، ويكون بالنسبة له من باب الاجتهاد الذي يرد إلى الكتاب والسنة.
قال - رحمه الله - في هذا الموضوع (28) : سائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات، إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخالفه لا يوافقه؛ لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته أن يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، وما تنازعت فيه الأمة؛ فيجب رده إلى الله والرسول، ولهذا نظائر كثيرة، مثل: ما كان ابن عمر يدخل الماء في عينيه في الوضوء (29) ، ويأخذ لأذنيه ماء جديدًا (30) وكان أبو هريرة يغسل يديه إلى العضدين في الوضوء ويقول: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل. بل هذا من كلام أبي هريرة جاء مدرجًا في بعض الأحاديث. وإنما قال - صلى الله عليه وسلم: (إنكم تأتون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء) (31) ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ حتى يُشرع في العضد والساق، قال أبو هريرة: من استطاع أن يطيل غرته فليفعل، وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة، وهذا لا معنى له؛ فإن الغرة في الوجه لا في اليد والرجل، وإنما في اليد والرجل الحَجَلةُ، والغرة لا يمكن إطالتها فإن الوجه يغسل كله لا يغسل الرأس ولا غرة في الرأس، والحجلة لا يستحبُّ إطالتها وإطالتها مثلة.
ثم ضرب - رحمه الله - مثلًا آخر لهذه القاعدة فقال: