سوى الله مضرة عليه إذا أخذ منه القدر الزائد عن حاجته؛ فإنه إن نال من الطعام والشراب فوق حاجته ضره وأهلكه.
واعلم أن كل من أحب شيئًا لغير الله فلا بد أن يضره محبوبه ويكون ذلك سببًا لعذابه، ولهذا كان الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله يمثّل لأحدهم كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع يأخذ بلهزمته ويقول: أنا كنزك، أنا مالك (28) وفي الحديث: (يقول الله يوم القيامة: يا ابن آدم أليس عدلًا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولاه في الدنيا) (29) ؟! وأصل التولي الحب، فكل من أحب شيئًا دون الله ولاه الله يوم القيامة ما تولاه وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا. فمن أحب شيئًا لغير الله فالضرر حاصل له إن وجد أو فقد؛ فإن فقد عذب بالفراق وتألم، وإن وجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة، وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء. وكل من أحب شيئًا لغير الله فإن مضرته أكثر من منفعته. فصارت المخلوقات وبالًا عليه إلا ما كان لله وفي الله؛ فإنه كمال وجمال للعبد. والله سبحانه يحسن إلى عبده مع غناء عنه، يريد به الخير ويكشف عنه الضر لا لجلب منفعة إليه من العبد ولا لدفع مضرة بل رحمة وإحسانًا.
والعباد لا يتصور أن يعملوا إلا لحظوظهم. فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته، فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول بل إنما يقصد منفعته بك، والرب سبحانه يريدك لك ولمنفعتك بك لا لينتفع بك، والخلق لو اجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بأمر قد كتبه الله لك، ولو اجتهدوا أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، فهم لا ينفعونك إلا بإذن الله ولا يضرونك إلا بإذن الله، فلا تُعلِّق بهم رجاءك، قال الله تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك] ، وجماع هذا أنك إذا كنت غير عالم بمصلحتك ولا قادر عليها ولا مريد لها كما ينبغي، فغيرك من الناس أولى أن لا يكون عالمًا بمصلحتك ولا قادر عليها ولا مريد لها، والله سبحانه هو الذي يعلم ولا تعلم وبقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله العظيم.
ونكتفي بهذا القدر مما اقتطفناه من كلام الشيخ في هذه القاعدة الجليلة من قواعد توحيد الألوهية وحقيقته وأسبابه وأدلته والله الموفق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في بيان حاجة العبد عبادة الله والاستعانة به (1) : لا بد للنفس من شيء تطمئن إليه وتنتهي محبتها وهو إلهها، ولا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها وهو مستعانها سواء كان ذلك هو الله أو غيره، وإذا كان غير الله فقد يكون عامًا وهو الكفر كمن عبد الله مطلقًا وسأل غير الله مطلقًا. مثل عُبّاد الشمس والقمر وغير ذلك الذين يطلبون منهم الحاجات ويفزعون إليهم في النوائب، وقد يكون ذلك خاصًا بالمسلمين مثل من غلب عليه حب المال أو حب شخص أو حب الرئاسة حتى صار عبدَ ذلك؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي وإن منع سخط؛ تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) (2) ، وكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله؛ بحيث يكون عنده مخدومه من الرؤساء ونحوهم، أو خادمه من الأعوان والأجناد ونحوهم أو أصدقائه أو أمواله هي التي تجلب المنفعة الفلانية، وتدفع المضرة الفلانية؛ فهو معتمد عليها ومستعين بها، والمستعان هو مدعو ومسؤول.