فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 400

ويقصد الشيخ - رحمه الله - بهذا الكلام الذين يعتمدون على الأسباب ويغترون بحولهم وقوتهم وينسون الخالق الذي هو مسبب الأسباب، وهذا كثير في الناس اليوم تجدهم يغترون بإمكانياتهم وتقنياتهم، ويعجبون بها إلى حد أن يقولوا: قضينا على الأمراض، قضينا على الجوع، قضينا على الفقر، إلى غير ذلك من العبارات القبيحة، فلا يعترفون بنعمة الله عليهم ويقرون بفقرهم وحاجتهم إليه، وقد يسندون المصائب والكوارث التي تصيبهم إلى ظواهر كونية وأمور طبيعية فلا يلجؤون إلى الله ويتضرعون إليه، كما قال الله تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43] ، وما أكثر هذا النوع في أهل هذا الزمان إلا من رحم الله.

ثم بيّن الشيخ - رحمه الله - العلاقة بين العبادة والاستعانة فقال: وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره؛ خضع له وذل وانقاد وأحبه من هذه الجهة، وإن لم يحبه لذاته، لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه كما يصيب كثيرًا ممن يحب المال، أو يحب من يحصل له به العز والسلطان. وأما من أحبه القلب وأراده وقصده فقد لا يستعينه ويعتمد عليه إلا إذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه، كاستشعار المحب قدرة المحبوب على وصله، فإذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه استعانه وإلا فلا.

فالأقسام ثلاثة: فقد يكون محبوبًا غير مستعان، وقد يكون مستعانًا غير محبوب، وقد يجتمع فيه الأمران، فإذا عُلم أن العبد لا بد له في كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو إلهه، ومنتهى يطلب منه وهو مُستعانه، وذلك هو صمده الذي يصمد إليه في استعانته وعبادته؛ تبين أن قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ، كلام جامع محيط أولًا وآخرًا لا يخرج عنه شيء، فصارت الأقسام أربعة: إما أن يعبد غير الله ويستعينه - وإن كان مسلمًا - فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل (3) .

ويقصد الشيخ - رحمه الله - العبادة والاستعانة اللتين لا تصلان إلى حد الشرك الأكبر؛ كالرياء فإنه شرك أصغر وهو شرك خفي.

وإما أن يعبده ويستعين غيره، مثل كثير من أهل الدين يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته وحده لا شريك له وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم ورزقهم وهدايتهم من جهة الملوك والأغنياء والمشائخ. وإما أن يستعينه ويعبد غيره مثل كثير من ذوي الأحوال وذوي القدرة وذوي السلطان الباطن والظاهر وأهل الكشف والتأثير الذي يستعينونه ويعتمدون عليه ويسألونه، ويلجؤون إليه، لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته التي بعث الله بها رسوله.

والقسم الرابع: الذين لا يعبدون إلا إياه ولا يستعينون إلا به.

ثم بيّن (4) - رحمه الله - وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه فلا يُعمل إلا له ولا يرجى إلا هو، فهو سبحانه الذي ابتدأك بخلقك والإنعام عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلًا، وما فعل بك لا يقدر عليه غيره، ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضرر فهو الذي يأتي بالرزق لا يأتي به غيره، كما قال تعالى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك] ، وهو سبحانه ينعم عليك ويحسن إليك بنفسه، فإن ذلك موجب ما يَسمَّى به ووصف به نفسه؛ إذ هو الرحمن الرحيم، الودود المجيد، وهو قادر بنفسه، وقدرته من لوازم ذاته وكذلك رحمته وعلمه وحكمته لا يحتاج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت