وأيضًا فينبغي النظر في الموسومين بهذا الاسم وفي الواسمين لهم به أيهما أحق، وقد علم أن هذا الاسم مما اشتهر عن النفاة ممن هم مظنة الزندقة، وأن علامة الزنادقة تسميتهم لأهل الحديث حشوية.
من المعلوم أن هذا من تلقيب بعض الناس لأهل الحديث الذين يقرونه على ظاهره، فكل من كان عنه أبعد كان أعظم ذمًا بذلك كالقرامطة ثم الفلاسفة ثم المعتزلة، فكل من اتبع النصوص وأقرها سموه بذلك، ومن قال بالصفات العقلية مثل العلم والقدرة دون الخبرية ونحو ذلك سمَّى مثبتة الصفات الخبرية حشوية، كما يفعل أبو المعالي الجويني وأبو حامد الغزالي ونحوهما.
وهؤلاء يعيبون منازعهم إما لجمعه حشوَ الحديث من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه، أو لكون اتباع الحديث في مسائل الأصول"عندهم"من مذهب الحشو؛ لأنها مسائل علمية، والحديث لا يفيد ذلك"عندهم"؛ لأن اتباع النصوص مطلقًا في المباحث الأصولية الكلامية حشو؛ لأن النصوص لا تفي بذلك"في زعمهم"، فالأمر"عندهم"راجع إلى أحد أمرين: إما ريب في الإسناد أو في المتن. إما لأنهم يضيفون إلى الرسول ما لم يعلم أنه قاله كأخبار الآحاد ويجعلون مقتضاها العلم، وإما لأنهم يجعلون ما فهموه من اللفظ معلومًا وليس هو بمعلوم لما في الأدلة اللفظية من الاحتمال"عندهم"، ولا ريب أن هذا عمدة كل زنديق ومنافق يبطل العلم بما بعث الله به رسوله، تارة يقول: لا نعلم أنهم قالوا ذلك. وتارة يقول: لا نعلم ما أرادوا بهذا القول. ومتى انتفى العلم بقولهم أو بمعناه لم يُستفَد من جهتهم علم، فيتمكن بعد ذلك أن يقول من المقالات وقد أمن على نفسه أن يعارض بآثار الأنبياء؛ لأنه قد وكل ثغرها بذينك الدافعين لجنود الرسول عنه الطاعنين لمن احتج بها.
وهذا القدر بعينه هو عين الطعن في نفس النبوة، وإن كان يقر بتعظيمهم وكمالهم إقرار من لا يتلقى من جهتهم علمًا؛ فيكون الرسول عنده بمنزلة خليفةٍ يُعطي السِّكة والخطبة رسمًا ولفظًا كتابة وقولًا من غير أن يكون له أمر أو نهي مطاع، فله صورة الإمامة بما جُعل له من السِّكة والخطبة وليس له حقيقتها. وهذا القدر وإن استجازه كثير منها الملوك لعجز بعض الخلفاء عن القيام بواجبات الإمارة من الجهاد والسياسة؛ كما يفعل ذلك كثير من نواب الولاة لضعف مستنيبه وعجزه.
فمن المعلوم أن المؤمن بالله ورسوله لا يستجيز أن يقول في الرسالة إنها عاجزة عن تحقيق العلم وبيانه حتى يكون الإقرار بها مع تحقيق العلم الإلهي من غيرها موجبًا لصلاح الدين، ولا يستجيز أن يتعدَّى عليها بالتقدم بين يدي الله ورسوله، ويقدم علمه وقوله على علم الرسول وقوله. ولا يَستجيز أن يسلط عليها التأويلات العقلية ويدعي أن ذلك من كمال الدين وأن الدين لا يكون كاملًا إلا بذلك، وأحسن أحواله أن يدعي أن الرسول كان عالمًا بأن ما أخبر به له تأويلات وتبيان غير ما يدل عليه ظاهر قوله ومفهومه، وأنه ما ترك ذلك إلا لأنه ما كان يمكنه البيان بين أولئك الأعراب ونحوهم، وأنه وكل ذلك إلى عقول المتأخرين. وهذا هو الواقع منهم فإن المتفلسفة تقول: إن الرسل لم يتمكنوا من بيان الحقائق! لأن إظهارها يفسد الناس ولا تحتمل عقولهم ذلك. ثم قد يقولون: إنهم"أي الرسل"عرفوها، وقد يقول بعضهم: لم يعرفوها!
يواصل الشيخ (16) - رحمه الله - تعالى الرد على المتفلسفة وعلماء الكلام الذين يتنقصون علم السلف، ويظنون أنهم أعلم من السلف فيقول - رحمه الله: ولا ريب أن أهل الحديث أعلم الأمة وأخصها بعلم الرسول، وعلم خاصته مثل الخلفاء الراشدين وسائر العشرة، ومثل أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود