إلى خلقه بوجه من الوجوه. بل هو الغني عن العالمين {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40] .
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم] ، لا يفعل شيئًا لحاجة إلى غيره وهو سبحانه بالغُ أمره، فكل ما يطلب فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه أحد ولا يعوقه أحد لا يحتاج في شيء من أموره إلى معين وما له من المخلوقين ظهير، وليس له ولي من الذل.
عقد شيخ الإسلام - رحمه الله - فصلًا لبيان حاجة العبد إلى الرب وغنى الرب عنه، ومع ذلك فالله يحب من عبده أن يسأله بخلاف المخلوق فإنك إذا سألته شيئًا أبغضك وكرهك، كما أن في افتقار العبد إلى الله عزه وكرامته وفى افتقاره إلى المخلوق ذلته ومهانته؛ قال (5) - رحمه الله:
والعبد كلما كان أذلّ لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له كان أقرب إليه وأعز له وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل:"احْتجْ إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره"؛ فأعظم ما يكون العبد قدرًا وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه؛ فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم، ولو في شربة ماء، نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم.
وهذا من حكمة الله ورحمته ليكون الدين كله لله ولا يشرك به شيء، فالرب سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه وأفقر ما تكون إليه، والمخلوق أهون ما تكون عليهم أحوج ما تكون إليهم لأنهم كلهم محتاجون في أنفسهم؛ فهم لا يعلمون حوائجك ولا يهتدون إلى مصلحتك، بل هم جهلة بمصالح أنفسهم فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم فإنهم لا يقدرون عليها ولا يريدون من جهة أنفسهم فلا علم ولا قدرة ولا إرادة. والرب تعالى يعلم مصالحك ويقدر عليها ويريدها رحمة منه وفضلًا وذلك صفته من جهة نفسه، لا شيء آخر جعله مريدًا وراحمًا، بل رحمته من لوازم نفسه فإنه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء، والخلق كلهم محتاجون لا يفعلون شيئًا إلا لحاجتهم ومصلحتهم، والسعيد منهم الذي يعمل لمصلحته التى هي مصلحة، لا لما يظنه مصلحة وليس كذلك.
فهم ثلاثة أصناف: ظالم وعادل ومحسن. فالظالم الذي يأخذ منك مالًا أو نفعًا ولا يعطيك عوضه أو ينفع نفسه بضررك. والعادل المكافئ لك، كالبائع، لا لك ولا عليك، والمحسن الذي يحسن لا لعوض يناله منك، فهذا إنما عمل لحاجته ومصلحته وهو انتفاعه بالإحسان وما يحصل له بذلك مما تحبه نفسه من الأجر أو طلب مدح الخلق وتعظيمهم أو التقرب إليك، إلى غير ذلك، وبكل حال ما أحسن إليك إلا لما يرجو من الانتفاع، وسائر الخلق إنما يكرمونك ويعظمونك لحاجتهم إليك وانتفاعهم بك: إما بطريق المعاوضة وإما بطريق الإحسان. فأقرباؤك وأصدقاؤك وغيرهم إذا أكرموك فهم إنما يكرمونك لما يحصل لهم من الكرامة منك من لو قد وليت ولوا عنك وتركوك، فهم في الحقيقة إنما يحبون أنفسهم وأغراضهم.
فهؤلاء كلهم من الملوك إلى من دونهم تجد أحدهم سيدًا مطاعًا وهو في الحقيقة عبد مطيع. ومتى كنت محتاجًا إليهم نقص الحب والإكرام والتعظيم بحسب ذلك وإن قضوا حاجتك. والرب تعالى يمتنع أن