يكون مكافيًا له أو متفضلًا عليه. ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رفعت مائدته يقول: (الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي"ولا مكفور"ولا مُودَّع ولا مستغنى عنه ربنا) . رواه البخاري من حديث أبي أمامة (6) . بل ولا يزال الله هو المنعم المتفضل على العبد وحده لا شريك له في ذلك، بل ما بالخلق كلهم من نعمة فمن الله. وسعادة العبد من كمال افتقاره إلى الله واحتياجه إليه وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه، أي: بموجب علمه ذلك؛ فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم، مثل أن يذهب ماله ولا يعلم.
والخلق كلهم فقراء إلى الله لكن أهل الكفر والنفاق في جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن تذكره والعمل به، والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره وهؤلاء هم عباد الله.
ثم بيّن - رحمه الله - ما يطلق العبد فقال (7) : ولفظ العبد في القرآن يتناول من عبد الله؛ فأما عبد لا يعبده فلا يطلق عليه لفظ عبده، كما قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء: 65] ، وقوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] ، {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} [ص: 17] ، {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} [ص: 41] ، {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [ص: 45] ، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] ، ونحو هذا كثير.
وقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأعراف: 194] ، {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] ، وفي الحديث الذي رواه مسلم في الدجال: (فيوحي الله إلى المسيح: أن لي عبادًا لا يدان لأحد بقتالهم) (8) ، وهذا كقوله: {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا} [الإسراء: 5] .
فهؤلاء لم يكونوا مطيعين لله لكنهم معبَّدون مذللون مقهورون يجري عليهم قدره، وقد يكون كونهم عبيدًا هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له، وإن كانوا كفارًا؛ كقوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] ، وقوله: {إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم: 93] ؛ أي: ذليلًا خاضعًا ومعلوم أنهم لا يأتون يوم القيامة إلا كذلك، وإنما الاستكبار عن عبادة الله كان في الدنيا.
وقال - رحمه الله - عن إسلام المخلوقات وقنوتها له المذكورين في قوله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83] ، وقوله: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [الرعد: 15] وقال: {بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] ، قال (9) :
فليس المراد بذلك مجرد كونهم مخلوقين مدبرين مقهورين تحت المشيئة والقدرة، فإن هذا لا يقال: طوعًا وكرهًا؛ فإن الطوع والكره إنما يكون لما يفعله الفاعل طوعًا وكرهًا، فأما ما لا فعل له فيه لا يقال له: ساجد أو قانت بل ولا مسلم، بل الجميع مقرون بالصانع بفطرتهم.
والمؤمن يخضع لأمر ربه طوعًا، وكذلك لما قدره من المصائب؛ فإنه يفعل عندها ما أمر به من الصبر وغيره طوعًا فهو مسلم لله طوعًا، خاضع له طوعًا، والسجود مقصوده الخضوع، وسجود كل شيء بحسبه سجودًا يناسبها ويتضمن الخضوع للرب.