وبكل حال: النبي - صلى الله عليه وسلم - قد توقف في موسى، وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه الله أم لا؟ فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخبر بكل من استثناه الله لم يمكنا نحن أن نجزم بذلك، وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة وأعيان الأنبياء وأمثال ذلك مما لم يخبر به، وهذا العلم لا ينال إلا بالخير.
انتهى كلام الشيخ، وقد تلخص منه التوقف في شأن الملائكة هل يموتون أو لا؟ لأن هذا يتوقف على الخبر الصادق عن موتهم، مع إمكان ذلك وجوازه. وهكذا لا ينبغي لطالب العلم أن يجزم بشيء إلا بدليل، وعدم الدليل لا يدل على استحالة موت الملائكة فالله على كل شيء قدير، والملائكة من خلق الله الذين تنفذ فيهم قدرته ويجري عليهم قضاؤه.
قال الشيخ - رحمه الله - في إثبات عذاب القبر (45) والرد على المنكرين له، قال: مذهب سائر المسلمين وسائر أهل الملل إثبات القيامة الكبرى، وقيام الناس من قبورهم والثواب والعقاب هناك، وإثبات الثواب والعقاب في البرزخ، ما بين الموت إلى يوم القيامة، هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة. وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع، لكن من أهل الكلام من يقول: بل هو"أي: عذاب البرزخ"على البدن فقط كأنه ليس عنده نفس تفارق البدن. كقول من يقول ذلك من المعتزلة والأشعرية. ومنهم من يقول: بل هو على النفس فقط بناء على أنه ليس في البرزخ عذاب على البدن ولا نعيم. كما يقول ذلك ابن ميسرة وابن حزم. ومنهم من يقول: بل البدن ينعم ويعذب بلا حياة فيه كما قاله طائفة من أهل الحديث.
والمقصود هنا أن كثيرًا من أهل الكلام ينكر أن يكون للنفس وجود بعد الموت ولا ثواب ولا عقاب، ويزعمون أنه لم يدل على ذلك القرآن والحديث؛ كما أن الذين أنكروا عذاب القبر والبرزخ مطلقًا زعموا أنه لم يدل على ذلك القرآن، وهذا غلط. بل القرآن قد بيّن في غير موضع بقاء النفس بعد فراق البدن. وبيّن النعيم والعذاب في البرزخ. وهو سبحانه في السورة الواحدة يذكر القيامة الكبرى والصغرى كما في سورة الواقعة؛ فإنه ذكر في أوَّلها القيامة الكبرى، وأن الناس يكونون أزواجًا ثلاثة كما قال تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} [الواقعة] ، ثم إنه في آخرها ذكر القيامة الصغرى بالموت، وأنهم ثلاثة أصناف بعد الموت فقال: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة] ، فهذا فيه أن النفس تبلغ الحلقوم وأنهم لا يمكنهم رجعها.
وبيّن حال المقربين وأصحاب اليمين والمكذبين حينئذٍ، وفي سورة القيامة ذكر أيضًا القيامتين فقال: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} ثم قال: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة] ، وهي نفس الإنسان. وقد قيل: إن النفس تكون لوامة وغير لوامة وليس كذلك. بل نفس كل إنسان لوامة؛ فإنه ليس بشر إلا يلوم نفسه ويندم إما في الدنيا وإما في الآخرة.
ثم ذكر معاد البدن فقال: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} [القيامة] ، ووصف حال القيامة إلى قوله: تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا