فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 400

عَمَلُهُ [المائدة: 5] ، وقوله: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] ، وقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] . ولكن تنازعوا فيما إذا ارتد ثم عاد إلى الإسلام؛ هل تحبط الأعمال التي عملها قبل الردة أم لا تحبط إلا إذا مات مرتدًا؟ على قولين مشهورين. هما قولان في مذهب الإمام أحمد. والحبوط مذهب أبي حنيفة ومالك، والوقوف مذهب الشافعي. وتنازع الناس أيضًا في المرتد؛ هل يقال: كان له إيمان صحيح يحبط بالردة، أم يقال: بل بالردة تبينَّا أن إيمانه كان فاسدًا وأن الإيمان الصحيح لا يزول البتة؟ على قولين لطوائف الناس، وعلى ذلك يبنى قول المستثني: أنا مؤمن إن شاء الله؟ هل يعود الاستثناء إلى كمال الإيمان؟ أو يعود إلى الموافاة في المآل.

وسئل الشيخ - رحمه الله: هل جميع الخلق - حتى الملائكة - يموتون؟ فأجاب: الذي عليه أكثر الناس أن جمع الخلق يموتون حتى الملائكة وحتى عزرائيل، ملك الموت. وروي في ذلك حديث (42) مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك وقدرة الله عليه. وإنما يخالف في ذلك طوائف من المتفلسفة أتباع أرسطو وأمثالهم ومن دخل معهم من المنتسبين إلى الإسلام، أو اليهود والنصارى كأصحاب"رسائل إخوان الصفا"، وأمثالهم ممَّن زعم أن الملائكة هي العقول والنفوس وأنه لا يمكن موتها بحال، بل هي عندهم آلهة وأرباب لهذا العالم، والقرآن وسائر الكتب تنطق بأن الملائكة عبيد مدبرون؛ كما قال سبحانه: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا} [النساء] ، وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء] .

وقال: {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَاذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم] والله سبحانه قادر على أن يميتهم ثم يحييهم. كما هو قادر على إماتة البشر والجن ثم إحيائهم، وقد قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27] ، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه وعن غير واحد من الصحابة أنه قال: (إن الله إذا تكلم بالوحي أخذ الملائكة مثلُ الغشي) (43) ، وفي رواية: (إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا) ، وفي رواية: (سمعت الملائكة كجر السلسلة على الصفوان فيصعقون فإذا فزع عن قلوبهم أي: أزيل الفزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق. فينادون: الحق. الحق) ، فقد أخبر في هذه الأحاديث الصحيحة أنهم يصعقون صعق الغُشي. فإذا جاز عليهم صعق الغشي جاز صعق الموت وهؤلاء المتفلسفة لا يُجوزون لا هذا ولا هذا. وصعق الغشي هو مثل موسى - عليه السلام - قال تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا} [الأعراف: 143] .

والقرآن قد أخبر بثلاث نفخات: نفخة الفزع ذكرها في سورة النمل في قوله: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} [النمل: 87] . ونفخة الصعق والقيام ذكرهما في قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر] .

وأما الاستثناء يعني قوله: {إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} ، فهو متناول لمن في الجنة من الحور العين؛ فإن الجنة ليس فيها موت ومتناول لغيرهم ولا يمكن الجزم بكل من استثناه الله؛ فإن الله أطلق في كتابه. وقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى آخذًا بساق العرش. فلا أدري هل أفاق قبلي أم كان ممن استثناه الله(44) . وهذه الصعقة قد قيل: إنها رابعة. وقيل: إنها من المذكورات في القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت