فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 400

عليهم عدوًا من غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضًا وبعضهم يسبي بعضًا. وثبت في"الصحيحين"لما نزل قوله تعالى {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ} قال: (أعوذ بوجهك) ، {أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قال: (أعوذ بوجهك) ، {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَاسَ بَعْضٍ} قال: (هاتان أهون) (20)

هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف ونهى عن البدعة والاختلاف، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 65] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة) (21) وقال: (الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد) (22) ، وقال: (الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، والذئب إنما يأخذ القاصية والنائية من الغنم) (23)

يقول الشيخ (24) - رحمه الله - في الحث على لزوم جماعة المسلمين وعلاج ما يحصل بينهم من اختلاف وسوء تفاهم، يقول في ذلك: فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالًا أو غاويًا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وإذا كان قادرًا على أن يوليَ من إمامة المسلمين (يعني في الصلاة) الأفضل ولاه، وإن قدر على أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه، وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه والأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا) (25) ، وإن كان في هَجره لمُظْهِِر البدعة والفجور مصلحة راجحة هَجَره؛ كما هجر النبي - صلى الله عليه وسلم - الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم (26) . أما إذا وُلِّي غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية؛ كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلًا وضلالًا، وكان قد رد بدعة ببدعة. حتى إن المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة وكرهها - يعني: الإعادة - أكثرهم. حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع. وهذا أظهر القولين؛ لأن الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع، ولم يأمر الله تعالى قط أحدًا إذا صلى كما أُمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة.

ولهذا كان أصح قولي العلماء: أن من صلى بحسب استطاعته أن لا يعيد، حتى المتيمم لخشية البرد، ومن عدم الماء والتراب إذا صلى بحسب حاله، والمحبوس وذوو الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطعة؛ لا يجب على أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلى الأولى بحسب الاستطاعة، وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا بغير ماء ولا تيمم لما فقدت عائشة عقدها ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة (27)

بل أبلغ من ذلك أن من كان يترك الصلاة جهلًا بوجوبها لم يأمره بالقضاء، فعمرو وعمار لما أجنبا وعمرو لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة؛ لم يأمرهما بالقضاء (28) ، وأبو ذر لما كان يجنب ولا يصلي لم يأمره بالقضاء (29) ،والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة مُنكرة منعتها الصلاة والصوم لم يأمرها بالقضاء (30) والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم يأمرهم بالقضاء، وكانوا قد غلطوا في معنى الآية، فظنوا أن قوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] ، هو الحبل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنما هو سواد الليل وبياض النهار) (31) ، ولم يأمرهم بالقضاء. والمسيء في صلاته لم يأمره بإعادة ما تقدم من الصلوات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت