تكلم الشيخ (135) -رحمه الله- تعالى في الاسم والمسمى؛ هل هو هو؟ أو غيره؟ أو لا يقال: هو هو ولا يقال: هو غيره؟ أو هو له؟ أو يفصل في ذلك؛ فالناس قد تنازعوا في ذلك، والنزاع اشتهر في ذلك بعد الأئمة، بعد أحمد وغيره، والذي كان معروفًا عند أئمة السنة -أحمد وغيره- الإنكار على الجهمية الذين يقولون: أسماء الله مخلوقة، فيقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق؟ وهؤلاء الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول؛ لأن أسماء الله من كلامه، وكلام الله غير مخلوق، بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء. والجهمية يقولون: كلامه مخلوق، وأسماؤه مخلوقة، وهو نفسه لم يتكلم بكلام يقوم بذاته، ولا سمى نفسه باسم هو المتكلم به، بل قد يقولون: إنه تكلم به وسمى نفسه بتلك الأسماء بمعنى أنه خلقها في غيره، لا بمعنى أنه نفسه تكلم بها الكلام القائم به، فالقول في أسمائه هو نوع من القول في كلامه، والذين وافقوا السلف على أن كلامه غير مخلوق وأسماءه غير مخلوقة، يقولون: الكلام والأسماء من صفات ذاته.
إلى أن قال -رحمه الله-: والمقصود هنا: أن المعروف عن أئمة السنة إنكارهم على من قال: أسماء الله مخلوقة، وكان الذين يطلقون القول: بأن الاسم غير المسمى هذا مرادهم. فلهذا يروى عن الشافعي والأصمعي وغيرهما أنه قال: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة! ولم يعرف أيضًا عن أحد من السلف أنه قال: الاسم هو المسمى، بل هذا قاله كثير من المنتسبين إلى السنة بعد الأئمة وأنكره أكثر أهل السنة عليهم، ثم منهم من أمسك عن القول في هذه المسألة نفيًا وإثباتًا؛ إذ كان كل من الإطلاقين بدعة كما ذكره الخلال عن إبراهيم الحربي وغيره، وكما ذكره أبو جعفر الطبري في الجزء الذي سماه"صريح السنة"، ذكر مذهب أهل السنة المشهور في القرآن والرؤية والإيمان والقدر والصحابة وغير ذلك، وذكر أن مسألة اللفظ ليس لأحد من المتقدمين فيها كلام، كما قال: لم نجد فيها كلامًا عن صحابي مضى. ولا عن تابعي قفا، ولا عمن في كلامه الشفا والغنا، ومن يقوم لدينا مقام الأئمة الأولى: أبو عبد الله: أحمد بن حنبل. فإنه كان يقول: اللفظية جهمية، ويقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي. ومن قال: غير مخلوق فهو مبتدع. وذكر يعني الطبري أن القول في الاسم والمسمى من الحماقات المبتدعة التي لا يعرف فيها قول لأحد الأئمة. وأن حسب الإنسان أن ينتهي إلى قوله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الأعراف: 180] . وهذا هو القول بأن الاسم للمسمى، وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيره. والذين قالوا: الاسم هو المسمى؛ كثير من المنتسبين إلى السنة، مثل أبي بكر عبد العزيز وأبي القاسم الطبري واللالكائي وأبي محمد البغوي، صاحب"شرح السنة"وغيرهم، وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري اختاره أبو بكر بن فورك وغيره.
والقول الثاني وهو المشهور عن أبي الحسن: أن الأسماء ثلاثة أقسام: تارة يكون الاسم هو المسمى، كاسم الموجود. وتارة يكون غير المسمى، كاسم الخالق. وتارة لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير. وهؤلاء الذين قالوا: إن الاسم هو المسمى لم يريدوا بذلك أن اللفظ المؤلف من الحروف هو نفس الشخص المسمى به؛ فإن هذا لا يقوله عاقل، ولهذا يقال: لو كان الاسم هو المسمى لكان من قال: نار، احترق لسانه. ومن الناس من يظن أن هذا مرادهم ويشنع عليهم، وهذا غلط عليهم. بل هؤلاء يقولون: اللفظ هو التسمية والاسم ليس هو اللفظ، بل هو المراد باللفظ. فإنك إذا قلت: يا زيد. يا عمرو فليس مرادك دعاءَ اللفظ. بل مرادك دعاء المسمى باللفظ وذكرت الاسم فصار المراد بالاسم هو المسمى. وهذا لا ريب فيه إذا أُخبر عن الأشياء فذكرت أسماؤها فقيل: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ} [الفتح: 29] ، خَاتَمَ