قلتَ. وإنما قلت: إنه لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق؛ لأن الفعل صفة لله. يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع.
قال بشر: وأنا أقول: إنه أحدث الأشياء بقدرته. فقل أنت ما شئت. قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين قد أقر بشر أن الله كان ولا شيء وأنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن شيئًا بقدرته. وقلت: إما أنه أحدثها بأمره، وقوله عن قدرته؛ فلا يخلو يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله بقول قاله أو بإرادة أرادها، أو بقدرة قدّرها؟ وأي ذلك كان فقد ثبت أن هنا إرادة ومريدًا ومرادًا، وقولًا وقائلًا ومقولًا له، وقدرة وقادرًا ومقدورًا عليه، وذلك كله متقدم قبل الخلق. وما كان قبل الخلق متقدمًا فليس هو من الخلق.
إلى أن قال (132) الشيخ: قال الحاكم: سمعت أبا سعيد عبد الرحمن بن أحمد المقري يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق"يعني ابن خزيمة"يقول: الذي أقول به: أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق. ومن قال: إن القرآن أو شيئًا منه وعن وحيه وتنزيله مخلوق. أو يقول: إن الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل. أو يقول: إن أفعال الله مخلوقة، أو يقول: إن القرآن محدث، أو يقول: إن شيئًا من صفات الله صفات الذات أو اسمًا من أسماء الله مخلوق؛ فهو عندي جهمي يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل، هذا مذهبي ومذهب من رأيت من أهل الأثر في الشرق والغرب من أهل العلم، ومن حكى عني خلاف هذا فهو كاذب باهت، ومن نظر في كتبي المصنفة في العلم ظهر وله وبان أن الكلابية -لعنهم الله- كذبة فيما يحكون عني مما هو خلاف أصلي وديانتي.
ثم قال الشيخ (133) -رحمه الله-: وذكر عن ابن خزيمة أنه قال: زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا في سنيننا: أن الله لا يكرر الكلام. فلا هم يفهمون كتاب الله، أن الله قد أخبر في نص الكتاب في مواضع أنه خلق آدم، وأمر الملائكة بالسجود، فكرر هذا الذكر في غير موضع، وكرر ذكر كلامه لموسى مرة بعد أخرى، وكرر ذكر عيسى ابن مريم في مواضع، وحمد نفسه في مواضع، فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} و {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [الأنعام: 1] ، و {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [سبأ: 1] ، وكرر زيادة على ثلاثين كرة: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن] ، ولم أتوهم أن مسلمًا يتوهم أن الله لا يتكلم بشيء مرتين، وهذا مقالة من زعم أن كلام الله مخلوق ويتوهم أنه لا يجوز أن يقول: خلق الله شيئًا واحدًا مرتين.
إلى أن قال: وأقول: لم يزل الله متكلمًا، ولا يزال متكلمًا لا مثل لكلامه من كلام خلقه ولا نفاد لكلامه لم يزل ربنا بكلامه وعلمه وقدرته؛ كلم ربنا أنبياءه وكلم موسى، والله الذي قال له: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه: 14] ، ويكلم أولياءه يوم القيامة ويحييهم بالسلام قولًا في دار عدْنه وينادي عباده فيقول: {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65] ، ويقول: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16] ، ويكلم أهل النار بالتوبيخ والعقاب ويقول لهم: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] ، ويخلو الجبار بكل أحد من خلقه فيكلمه ليس بينه وبين أحد منهم ترجمان؛ كما قال النبي (134) -صلى الله عليه وسلم-. ويكلم ربنا جهنم فيقول لها: {هَلِ امْتَلَاتِ} [ق: 30] ، فمن زعم أن الله لم يتكلم إلا مرة ولم يتكلم إلا ما تكلم به ثم انقضى كلامه كفر بالله، بل لم يزل الله متكلمًا ولا يزال متكلمًا، لا مثل لكلامه لأنه صفة من صفاته، نفى الله المثل عن كلامه كما نفى المثل عن نفسه، ونفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن نفسه فقال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ، {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف: 109] .