فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 400

سئل شيخ الإسلام (35) قدس الله روحه: ما يقول السادة العلماء رضي الله عنهم أجمعين عن جواب شبهة المعتزلة في نفي الصفات؛ ادَّعوا أن صفات الباري ليست زائدة على ذاته؛ لأنه لا يخلو إما أن يقوم وجوده بتلك الصفات المعينة بحيث يلزم من تقدير عدمها عدمه، أولًا؛ فإن يقم فقد تعلق وجوده بها، وصار مركبًا من أجزاء لا يصح وجوده إلا بمجموعها والمركب معلول، وإن كان لا يقوم وجوده بها ولا يلزم من تقدير عدمها عدمه فهي عرضية والعرض معلول، وهما على الله محال؛ فلم يبق إلا أن صفات الباري غير زائدة على ذاته وهو المطلوب.

فأجاب الشيخ - رحمه الله: الحمد لله. الذي دل عليه الكتاب والسنة أن الله سبحانه له علم وقدرة ورحمة ومشيئة وعزة وغير ذلك؛ لقوله تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255] ، وقوله: {لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166] ، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] ، وقوله: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] ، وقوله: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7] وفي حديث الاستخارة الذي في الصحيح: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم) (36) وفي حديث شداد بن أوس الذي في"السنن"عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) (37) . وفي الحديث: (لا وعزتك) (38) ، وهذا كثير.

وفي الصحيح أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل الذي كان يقرأ بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في كل ركعة وهو إمام فقال: إني أحبها لأنها صفة الرحمن. فقال: (أخبروه أن الله يحبه) (39) . فأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على تسميتها صفة الرحمن، وفي هذا المعنى أيضًا آثار متعددة.

فثبت بهذه النصوص أن الكلام الذي يخبر به عن الله صفة له؛ فإن الوصف هو الإظهار والبيان للبصر أو السمع. كما يقول الفقهاء: ثوب يصف البشرة. وقال: {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} [الأنعام: 139] ، وقال: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 180] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها) (40) . والنعت الوصف، ومثل هذا كثير. والصفة مصدر وصفت الشيء أصفه وصفًا وصفة، مثل وعد وعدًا وعدة ووزن وزنًا وزنة. وهم يطلقون اسم المصدر على المفعول كما يسمون المخلوق خلقًا، ويقولون: درهمٌ ضربُ الأمير. فإذا وصف الموصوف بأنه وسع كل شيء رحمة وعلمًا؛ سمي المعنى الذي وُصف به بهذا الكلام صفة، فيقال للرحمة والعلم والقدرة: صفة بهذا الاعتبار، وهذا حقيقة الأمر.

ثم كثير من المعتزلة ونحوهم يقولون: الوصف والصفة اسم للكلام فقط من غير أن يقوم بالذات القديمة معان. وكثير من المتكلمة الصفاتية يفرقون بين الوصف والصفة. فيقولون: الوصف هو القول، والصفة المعنى القائم بالموصوف، وأما المحققون فيعلمون أن كل واحد من اللفظين يطلق على القول تارة وعلى المعنى أخرى، والقرآن والسنة قد صرحا بثبوت المعاني التي هي العلم والقدرة وغيرها كما قدمناه.

وأما لفظ الذات فإنها في اللغة تأنيث ذو. وهذا اللفظ يستعمل مضافًا إلى أسماء الأجناس يتوصلون به إلى الوصف بذلك، فيقال: شخص ذو علم وقدرة وسلطان ونحو ذلك. وقد يضاف إلى الأعلام كقولهم: ذو عَمْرو وذو الطلاع. وقول عمر: الغنيُّ بلال وذووه. فلما وجدوا الله قال في القرآن: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت