فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 400

بطن الأم، والأظهر والله أعلم أنها مرة واحدة. ولعل ذلك يختلف باختلاف الأجنة فبعضهم يكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى. وبعضهم بعد الأربعين الثالثة. وقد يقال: إن لفظة"ثم"في حديث ابن مسعود إنما أريد به ترتيب الإخبار لا ترتيب المخبر عنه في نفسه. والله أعلم.

ومن المتأخرين من رجح أن الكتابة تكون في أول الأربعين الثانية كما دل عليه حديث حذيفة بن أسيد، وقال: إنما أخر ذكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذكر المضغة، وإن ذكرت بلفظ"ثم"؛ لئلا ينقطع ذكر الأطوار الثلاثة التي يتقلب فيها الجنين، وهي كونه نطفة وعلقة ومضغة؛ فإن ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجب وأحسن. فلذلك أخر المعطوف عليها، وإن كان المعطوف متقدمًا على بعضها في الترتيب.

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية (11) - رحمه الله - عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) (12) ، ما معناه أراد فطرة الخلق أم فطرة الإسلام؟ وفي قوله: (الشقي من شقي في بطن أمه. . .) الحديث؛ (13) هل ذلك خاص أو عام؟ وفي البهائم والوحوش؛ هل يحييها الله يوم القيامة أم لا؟

فأجاب الشيخ بقوله:

الحمد لله. أما قوله - صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ، فالصواب أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها. وهي فطرة الإسلام. وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة. فإن حقيقة الإسلام: أن يستسلم لله لا لغيره. وهو معنى لا إله إلا الله. وقد ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَثَلَ ذلك فقال: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء؛ هل تحسون فيها من جدعاء) (14) ؛ بيّن أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن وأن العيب حادث طارئ. وفي"صحيح مسلم" (15) عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن الله: (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالهم الشيطان. وحَرَّمت عليهم ما أحللت لهم. وأَمَرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا) .

ولهذا ذهب الإمام أحمد - رضي الله عنه - في المشهور عنه إلى أن الطفل متى مات أحد أبويه الكافرين حكم بإسلامه؛ لزوال الموجب للتغيير عن أصل الفطرة، وقد روي ذلك عنه وعن المبارك، وعنهما أنهم قالوا: يولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة، وهذا القول لا ينافي الأول؛ فإن الطفل يولد سليمًا وقد علم الله أنه سيكفر فلا بد أن يصير إلى ما سبق له في أم الكتاب، كما تولد البهيمة جمعاء وقد علم الله أنها ستجدع. وهذا معنى ما جاء في"صحيح مسلم" (16) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: في الغلام الذي قتله الخضر: (طبع يوم طبع كافرًا ولو ترك لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا) يعني طبعه الله في أم الكتاب - أي: كتبه وأثبته كافرًا - أي: أنه إن عاش كفر بالفعل.

ولهذا لما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمن يموت من أطفال المشركين وهو صغير قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (17) ؛ أي: الله يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر لو بلغوا، ثم إنه قد جاء في حديثٍ إسناده مقارب عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا كان يوم القيامة فإن الله يمتحنهم ويبعث إليهم رسولًا في عرصة القيامة؛ فمن أجابه أدخله الجنة ومن عصاه أدخله النار) (18) ، فهنالك يظهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت