فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 400

فيهم ما علمه الله سبحانه ويجزيهم على ما ظهر من العلم، وهو إيمانهم وكفرهم لا على مجرد العلم، وهذا أجود ما قيل في أطفال المشركين وعليه تتنزل جميع الأحاديث.

ومَثَلُ الفطرة مع الحق مثَلُ ضوء العين مع الشمس، وكل ذي عين لو ترك بغير حجاب لرأى الشمس، والاعتقادات الباطلة العارضة من تَهوُّدٍ وتنصر وتمجس مثل حجاب يحول بين البصر ورؤية الشمس، وكذلك أيضًا كل ذي حس سليم يحب الحلو إلا أن يعرض في الطبيعة فساد يحرفه حتى يجعل الحلو في فمه مرًا.

ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل؛ فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا. ولكن سلامة القلب وقبوله وإرادته للحق الذي هو الإسلام بحيث لو ترك من غير مغير لما كان إلا مسلمًا، وهذه القوة العلمية العملية التي تقتضي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع هي فطرة الله التي فطر الناس عليها. وأما الحديث المذكور يعني في السؤال وهو قوله: (الشقي من شقي في بطن أمه) ، فقد صح عن ابن مسعود أنه كان يقول: الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره (19) . وفي"الصحيحين" (20) عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة. ثم يكون علقة مثل ذلك. ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات. فيقال: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح) ، وهذا عام في كل نفس منفوسة، قد علم الله سبحانه بعلمه الذي هو صفة له الشقي من عباده والسعيد. وكتب سبحانه ذلك في اللوح المحفوظ ويأمر الملك أن يكتب حال كل مولود؛ ما بين خلق جسده ونفخ الروح فيه إلى كتاب آخر يكتبها الله ليس هذا موضعها، ومن أنكر العلم القديم في ذلك فهو كافر.

وأما البهائم فجميعها يحشرها الله سبحانه كما دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام] ، وقال تعالى: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير] ، وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} [الشورى] ، وحرف"إذا"إنما يكون لما يأتي لا محالة. والأحاديث في ذلك مشهورة. فإن الله - عز وجل - يوم القيامة يحشر البهائم ويقتص (21) لبعضها من بعض ثم يقول لها: كوني ترابًا فتصير ترابًا. فيقول الكافر حينئذٍ: {يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} [النبأ: 40] ومن قال: إنها لا تحيى فهو مخطئ في ذلك أقبح خطأ، بل هو ضال أو كافر. والله أعلم.

وقال الشيخ (22) - رحمه الله:"كل مولود يولد على الفطرة" (23) فإنه سبحانه فطر القلوب على أن ليس في محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه وتنتهي إليه إلا الله. وإلا فكلما أحبه المحب يجد من نفسه أن قلبه يطلب سواه، ويحب أمرًا غيره يتألهه ويصمد إليه ويطمئن إليه ويرى ما يشبهه من أجناسه، ولهذا قال: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] .

وقال - رحمه الله - (24) ردًا لقول من قال في معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) (25) ؛ كل مولود على ما سبق له في علم الله أنه سائر إليه. قال: معلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة؛ فجميع البهائم هي مولودة على ما سبق في علم الله لها، وحينئذٍ يكون كل مخلوق مخلوقًا على الفطرة، وأيضًا فلو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: (فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) معنى؛ فإنهما فعلا به ما هو الفطرة التي ولد عليها فلا فرق بين التهويد والتنصير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت