فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 400

والمقدمة الثانية: أنه أخبر أن رسالته عامة إلى أهل الأرض من المشركين وأهل الكتاب، وأنه لم يكن مرسلًا إلى بعض الناس دون بعض. وهذا أمر معلوم بالضرورة والنقل المتواتر والدلائل القطعية. وأما اليهود والنصارى فأصل دينهم حق، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة] ، لكن كل من الدينين مبدل منسوخ فإن اليهود بدلوا وحرفوا ثم نسخ بقية شريعهتم بالمسيح - صلى الله عليه وسلم -.

ونفس الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى مثل نبوة الأنبياء، وهي أكثر من عشرين نبوة وغيرها تُبيِّنُ أنهم بدلوا وأن شريعتهم تُنسخ، وتُبينُ صحة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن فيها من الأعلام والدلائل على نبوة خاتم المرسلين ما قد صنف فيه العلماء مصنفات، وفيها أيضًا من التناقض والاختلاف ما يبين أيضًا وقوع التبديل، وفيها من الأخبار ما يبين أنها منسوخة؛ فعندهم ما يدل على هذه المطالب. وقد ناظرنا غير واحد من أهل الكتاب وبينا لهم ذلك وأسلم من علمائهم وخيارهم طوائف، وصاروا يناظرون أهل دينهم ويبينون ما عندهم من الدلائل على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهذا من الحكمة في إبقاء أهل الكتاب بالجزية إذ عندهم من الشواهد والدلائل على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وعندهم من الشواهد على ما أخبر به من الإيمان بالله واليوم الآخر ما يبين أن محمد - صلى الله عليه وسلم - جاء بالدين الذي بعثت به الرسل قبله وأخبر من توحيد الله وصفاته بمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله، قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف: 10] ، وقوله: {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43] ، وقال تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس: 94] ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشك ولم يسأل، ولكن هذا حكم معلق بشرط، والمعلق بالشرط يعدم عند عدمه. وفي ذلك سعة لمن شك أو أراد أن يحتج أو يزداد يقينًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في الرد على من طعن في رسالة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - من الملاحدة الذين لا يؤمنون بالأنبياء، قال (19) : وأما إن كان المخاطب لا يقر بنبوة نبي من الأنبياء لا موسى ولا عيسى ولا غيرهما فللمخاطبة طرق: منها: أن نسلك في الكلام بين أهل الملل وغيرهم من المشركين والصابئين والمتفلسفة والبراهمة وغيرهم نظير الكلام بين المسلمين وأهل الكتاب، فنقول: من المعلوم لكل عاقل له أدنى نظر وتأمل أن أهل الملل أكمل في العلوم النافعة والأعمال الصالحة ممن ليس من أهل الملل، فما من خير يوجد عند غير المسلمين من أهل الملل إلا عند المسلمين ما هو أكمل منه. وعند أهل الملل ما لا يوجد عند غيرهم. وذلك أن العلوم والأعمال نوعان:

نوع يحصل بالعقل كعلم الحساب والطب والصناعة من الحياكة والخياطة والتجارة ونحو ذلك، فهذه الأمور عند أهل الملل كما هي عند غيرهم بل هم فيها أكمل؛ فإن علوم المتفلسفة، من علوم المنطق والطبيعة والهيئة وغير ذلك من متفلسفة الهند واليونان وعلوم فارس والروم لما صارت إلى المسلمين هذبوها ونقحوها لكمال عقولهم وحسن ألسنتهم وكان كلامهم فيها أتم وأجمع وأبين، وهذا يعرفه كل عاقل وفاضل.

وأما ما لا يعلم بمجرد العقل كالعلوم الإلهية وعلوم الديانات فهذه مختصة بأهل الملل. وهذه منها ما يمكن أن يقام عليه أدلة عقلية، فالآيات الكتابية مستنبطة من الرسالة، فالرسل هدوا الخلق وأرشدوهم إلى دلالة العقول عليها، فهي عقلية شرعية. فليس لمخالف رسول أن يقول: هذه لا تعلم إلا بخبرهم؛ فإثبات خبرهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت