فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 400

بها دور. بل يقال: بعدالتهم وإرشادهم وتبيينهم للمعقول صارت معلومة بالعقل والأمثال المضروبة والأقيسة العقلية، وبهذه العلوم يعلم صحة ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبطلان قول من خالفه.

النوع الثاني: ما لا يعلم إلا بخبر الرسل فهذا يعلم بوجوه:

منها اتفاق الرسل على الإخبار به من غير تواطؤ ولا اتفاق بينهم. فإن المخبر إما أن يكون صادقًا؛ خبره مطابق لمخبره وإما أن لا يكون. وإذا لم يكن خبره مطابقًا لمخبره فإما أن يكون متعمدًا للكذب، وإما أن يكون مخطئًا. فإذا قدر عدم الخطأ والتعمد كان خبره صادقًا لا محالة، ومعلوم أنه إذا أخبر واحد عن علوم طويلة فيها تفاصيل كثيرة وأخبر غيره بها قبل ذلك مع الجزم بأنهما لم يتواطئا، ولا يمكن أن يقال: أنه يمكن الكذب في مثل ذلك؛ أفاد خبرهما العلم، وإن لم يعلم حالهما.

ومعلوم أن موسى أخبر بما أخبر به قبل أن يبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - وقبل أن يبعث المسيح، ومعلوم أيضًا لكل من كان عالمًا بحال محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه نشأ بين قوم أميين لا يقرءون كتابًا ولا يعلمون علوم الأنبياء، وأنه لم يكن عندهم من يعلم في التوراة والإنجيل ونبوة الأنبياء. وقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - من توحيد الله وصفاته وأسمائه وملائكته وعرشه وكرسيه وأنبيائه ورسله وأخبارهم وأخبار مكذبيهم بنظير ما يوجد في كتب الأنبياء من التوراة وغيرها؛ فمن تدبر التوراة والقرآن علم أنهما جميعًا يخرجان من مشكاة واحدة كما ذكر النجاشي. وكما قال ورقة بن نوفل: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى، ولهذا قرن الله تعالى بين التوراة والقرآن في مثل هذا في قوله: {لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ} إلى قوله: {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص: 48، 49] ، وقالت الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأحقاف: 30] الآية. وقال: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً} [هود: 17] وقال: {وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ} إلى قوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [الأنعام: 91، 92] ، فهذه الطريقة كل من علم ما جاء به موسى والنبيون قبله وبعده وما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - علم علمًا يقينًا أنهم كلهم مخبرون عند الله صادقون في الأخبار، وأنه يمتنع - والعياذ بالله - خلاف الصدق من خطأ وكذب.

ومن الطرق الواضحة القاطعة المعلومة إلى قيام الساعة بالتواتر من أحوال أتباع الأنبياء وأحوال من كذبهم وكفر بهم: حال نوح وقومه، وهود وقومه، وصالح وقومه، وحال إبراهيم وقومه. وحال موسى وفرعون، وحال محمد - صلى الله عليه وسلم - وقومه. وهذه الطريق قد بينها الله في غير موضع من كتابه ككقوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ} إلى قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: 5] ، وقال: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى} إلى قوله: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} إلى قوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج: 42 - 46] ، وقوله: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الصافات] ، وقال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر] ؛ فبين أنه تارك آثار المعذبين للمشاهدة، ويستدل بذلك على عقوبة الله لهم، وقال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ} [الإسراء: 17] الآيتين؛ فذكر طريقتين يعلن بهما ذلك: أحدهما ما يعاين ويعلم بالقلوب. والثاني: ما يسمع فإنه قد تواتر عند كل أحد حال الأنبياء ومصدقهم ومكذبهم وعاينوا من آثارهم ما دل على أنه سبحانه عاقب مكذبهم وانتقم منهم وأنهم على الحق الذي يحبه ويرضاه، وأن من كذبهم كان على الباطل الذي يغضب الله على أهله وأن طاعة الرسل طاعة لله ومعصيتهم معصية لله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت