ثم بيّن - رحمه الله - أن التوسل بالنبي وغيره إن كان توسلًا بمحبته وطاعته فهذا جائز، وإن كان توسلًا بذاته فهو غير جائز، فقال: وهو سؤال بسبب لا يقتضي حصول المطلوب بخلاف من كان طالبًا بالسبب المقتضي لحصول المطلوب، كالطلب منه سبحانه بدعاء الصالحين وبالأعمال الصالحة فهذا جائز؛ لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دعوا به، وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا، وإذا توسلنا بدعائهم وأعمالنا كنا متوسلين إليه تعالى بوسيلة. كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] ، والوسيلة هي الأعمال الصالحة. وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} [الإسراء: 57] .
وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم ولا بأعمالنا ولكن توسلنا بنفس ذواتهم لم يكن نفس ذواتهم سببًا يقتضي إجابة دعائنا فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نقلًا صحيحًا ولا مشهورًا عن السلف. ولا ريب أن لهم عند الله الجاه العظيم، لكن ما لهم عند الله من المنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم ونحن ننتفع من ذلك باتباعنا ومحبتنا لهم. فإذا توسلنا إلى الله تعالى بإيماننا بنبيه ومحبته وموالاته واتباع سنته فهذا من أعظم الوسائل. وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل بالإيمان بالمتوسل به، ولا بطاعته، فبأي شيء يتوسل؟
أقول: وقد تبين مما مر في كلام الشيخ - رحمه الله - أن التوسل الجائز أنواع: الأول: التوسل بالأعمال الصالحة التي عملها المتوسل، الثاني: التوسل بأسماء الله وصفاته، الثالث: التوسل بدعاء الصالحين الأحياء الحاضرين؛ فهذه كلها توسلات جائزة جاءت بها الأدلة الشرعية. أما التوسل بذات المخلوق أو جاهه أو حقه فهو توسل مبتدع ممنوع وهو توسل بأمر أجنبي من المتوسِّل لا ينفعه بل يضره.
قال (23) - رحمه الله: والمراتب في هذا الباب ثلاث:
إحداها: أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم فيقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا أستجير بك أو أستغيث بك أو انصرني على عدوي، ونحو ذلك؛ فهذا هو الشرك بالله. والمستغيث بالمخلوقات قد يقضي الشيطان حاجته أو بعضها وقد يتمثل له في صورة الذي استغاث به، فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به، وإنما هو شيطان دخله وأغواه لما أشرك بالله، كما يتكلم الشيطان في الأصنام وفي المصروع وغير ذلك، ومثل هذا وقع كثيرًا في زماننا وغيره وأعرف من ذلك ما يطول وصفه. وهذا أصل عبادة الأصنام واتخاذ الشركاء مع الله تعالى، وأعظم من ذلك أن يقول: اغفر لي وتب علي كما يفعله طائفة من الجهال المشركين. وأعظم من ذلك أن يسجد لغيره ويصلي إليه ويرى الصلاة إليه أفضل من استقبال القبلة، حتى يقول بعضهم: هذه قبلة الخواص والكعبة قبلة العوام. وأعظم من ذلك أن يرى السفر إليه من جنس الحج. حتى يقول: إن السفر إليه مرات يعدل حجة. وغلاتهم يقولون: الزيارة إليه أفضل من حج البيت عدة مرات، ونحو ذلك، فهذا شرك بهم، وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه.
الثانية: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي، أو ادع لنا ربك، أو اسأل الله لنا، كما يقول النصارى لمريم وغيرها؛ فهذا أيضًا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة، وإن كان السلام على أهل القبور جائزًا كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم