مغضوب عليهم والنصارى ضالون)، قال الترمذي: حديث صحيح (24) وقال سفيان بن عيينة: كانوا يقولون: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبّادنا ففيه شبه من النصارى. وكان غير واحد من السلف يقول: احذروا زلة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون.
فمن عرف الحق ولم يعمل به أشبه اليهود الذين قال الله فيهم: {أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] ، ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك أشبه النصارى الذين قال الله فيهم: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيلِ} [المائدة: 77] .
فالأول - يعني: الذي أشبه اليهود - من الغاوين.
والثاني - يعني: الذي أشبه النصارى - من الضالين، فإن الغي اتباع الهوى، والضلال عدم الهدى؛ قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف] . انتهى كلام الشيخ - رحمه الله -.
وبه يتبين أن ترك الهدى غيٌّ، والعمل بغير هدى ضلال، وأن العمل على هدى هو الصلاح والصراط المستقيم، وأكثر الناس من الصنفين الأولين، والصنف الثالث هم أهل النجاة، وقد ذكر الله الأصناف الثلاثة في آخر سورة الفاتحة التي نقرؤها في كل ركعة من صلاتنا: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة] ، فيا له من دعاء عظيم لو تأملناه نسأل الله الهداية والتوفيق.
فقد تكلم الشيخ تقي الدين بن تيمية - رحمه الله - في مسألة؛ هل للمخلوق حق على الخالق؟ وذلك في معرض الرد على من يقول: اللهم إني أسألك بحق فلان، فقال - رحمه الله - (25) : وأما السؤال بحق فلان فهو مبني على أصلين: أحدهما: ما له من الحق عند الله. والثاني: هل نسأل الله بذلك؟
أما الأول فمن الناس من يقول: للمخلوق على الخالق حق يعلم بالعقل، وقاس المخلوق على الخالق؛ كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة وغيرهم.
ومن الناس من يقول: لا حق للمخلوق على الخالق بحال، لكن يعلم ما يفعله بحكم وعده وخبره، كما يقول ذلك من يقوله من أتباع جهم والأشعري وغيرهما ممن ينتسب إلى السنة.
ومنهم من يقول: بل كتب الله على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه حقًا لعباده المؤمنين، كما حرم الظلم على نفسه؛ لم يوجب ذلك مخلوق عليه ولا يقاس بمخلوقاته، بل هو بحكم رحمته وحكمته وعدله كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم، كما قال في الحديث الصحيح الإلهي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا) (26) ، وقال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] وقال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] ، وفي"الصحيحين"عن معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (يا معاذ! أتدري ما حق الله على عباده؟) قلت: الله ورسوله أعلم.