قال: (حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. يا معاذ! أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟) . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (حقهم عليه أن لا يعذبهم) (27)
فعلى هذا القول لأنبيائه وعباده الصالحين عليه سبحانه حق أوجبه على نفسه مع إخباره، وعلى الثاني يستحقون ما أخبر بوقوعه وإن لم يكن ثم سبب يقتضيه.
ولما ساق الشيخ هذه الأقوال الثلاثة بيّن الصواب منها، فقال - رحمه الله:
فمن قال: ليس للمخلوق على الخالق حق يسأل به، كما روي أن الله تعالى قال لداود: وأي حق لآبائك عليَّ؟ فهو صحيح إن أراد أنه ليس للمخلوق عليه حق بالقياس والاعتبار على خلقه، كما يجب للمخلوق على المخلوق، وهذا كما يظنه جهال العُبَّاد من أن لهم على الله سبحانه حقًا بعبادتهم. وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه يصير له على الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق، كالذين يخدمون ملوكهم وملاكهم فيجلبون لهم منفعة ويدفعون عنهم مضرة، ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازات على ذلك، ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه: ألم أفعل كذا. يمنّ عليه بما يفعله معه، وإن لم يقله بلسانه كان ذلك في نفسه. وتخيُّل مثل هذا في حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه، ولهذا بيَّن سبحانه أن عمل الإنسان يعود نفعه عليه وأن الله غني عن الخلق؛ كما في قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] ، وقال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] .
وذكر آيات في هذا الموضوع ثم قال: وقد بيّن سبحانه أنه المانُّ بالعمل فقال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17] ، {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: 7، 8] ثم ذكر حديث أبي ذر الذي فيه: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. . .) ، الحديث بتمامه (28) ثم قال:
وبيْن المخلوق والخالق من الفروق ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة، منها: أن الرب تعالى غني بنفسه عما سواه ويمتنع أن يكون مفتقرًا إلى غيره بوجه من الوجوه، والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيرهم حاجة ضرورية.
ومنها أن الرب تعالى، وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة التائبين، فهو الذي يخلق ذلك وييسره، فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته، والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل غيره.
ومنها أن الرب سبحانه أمر العباد بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم، بخلاف المخلوق الذي يأمر غيره بما يحتاج إليه وينهاه عما ينهاه بخلًا عليه.
ومنها أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وهو المنعم بالقدرة والحواس وغير ذلك مما به يحصل العلم والعمل الصالح وهو الهادي لعباده، والمخلوق ليس يقدر على شيء من ذلك.