ومنها أن نعمه على عباده أعظم من أن تحصى، فلو قدر أن العبادة جزاء النعمة لم تقم العبادة بشكر قليل منها، فكيف والعبادة من نعمته أيضًا؟
ومنها أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته فلن يدخل أحد الجنة بعمله، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) (29) ؛ لا يناقض قوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] ؛ فإن المنفي بباء المقابلة والمعاوضة، والمثبت بباء السبب؛ فالعمل لا يقابل الجزاء وإن كان سبب الجزاء. فمن قال: للمخلوق حق على الله فهو صحيح إن أراد به الحق الذي أخبر الله بوقوعه، فإن الله صادق لا يخلف الميعاد، وهو الذي أوجبه على نفسه بحكمته وفضله ورحمته. وهذا المستحِقُّ لهذا الحقِّ إذا سأل الله تعالى به يسأل الله تعالى إنجاز وعده، وأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأل بحق ذلك الشخص فهو سؤال بأمر أجنبي. انتهى المقصود من كلام الشيخ.
وقد تبين منه أن السؤال بحق فلان لا يجوز لأمرين:
أولًا: أنه ليس لأحد عليه حق واجب كما يجب للمخلوق على المخلوق، وإنما هو حق تفضل به وأوجبه على نفسه سبحانه.
ثانيًا: أن من سأل الله بحق فلان فقد سأله بأمر أجنبي لا سبب له فيه، فما هي العلاقة بين السائل، وكون لفلان حق على الله، إن قدر أن له حق؟
وقال - رحمه الله - في موضوع زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - (30) نقلًا عن أبي الوليد الباجي فيما ذكره من مذهب الإمام مالك: قال: وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (31) قال: وقال نبي - صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا قبري عيدًا) (32) قال: ومن كتاب أحمد بن شعبة فيمن وقف بالقبر: لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلًا. وفي"العُتْبِيَّة) (33) يعني عن مالك: يبدأ بالركوع - يعني تحية المسجد - قبل السلام يعني على الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث العمود المخَلَّق. وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. قال: والتنفل فيه للغرباء أحب إليَّ من التنفل في البيوت."
قال الشيخ - رحمه الله: فهذا قول مالك وأصحابه ومن نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم يقصدوا القبر إلا للسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - والدعاء له، وقد كره مالك إطالة القيام لذلك وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، وإنما يفعل ذلك الغرباء ومن قدم من سفر أو خرج له فإنه تحية للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر، بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - فكيف بدعائه لنفسه؟
وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته"يعني ولو لم يكن عند قبره"فهذا لم يفعله أحد من السلف. ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعًا لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به"يعني التوسل به في الدعاء بعد موته لم يفعله الصحابة والتابعون"؛ فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟