قال - رحمه الله: لم يكن أحد من الصحابة والتابعين يستقبل القبر للدعاء لنفسه فضلًا عن أن يستقبله ويستشفع به يقول له: يا رسول الله اشفع لي ادع لي، أو يشتكي إليه مصائب الدنيا والدين أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين أو من الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له أو يشتكي إليهم المصائب؛ فإن هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة، ليس هذا من فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. ولا مما أمر به أحد من أئمة المسلمين وإن كانوا يُسلّمون عليه.
وقال - رحمه الله - عن الأحاديث التي جاءت بخصوص زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها في الدين، ولهذا لم يرو أهل الصحاح والسنن شيئًا منها، وإنما يرويها من يروي الضعاف كالدارقطني والبزار وغيرهما. وأجود حديث فيها ما رواه عبد الله بن عُمر العُمَريُّ وهو ضعيف، والكذب ظاهر عليه، مثل قوله: (من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي) (34) ؛ فإن هذا كذبه ظاهر مخالف لدين المسلمين؛ فإن من زاره في حياته وكان مؤمنًا به كان من أصحابه لا سيما إذا كان من المهاجرين إليه المجاهدين معه، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) . أخرجاه في"الصحيحين" (35) والواحد بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة بأعمال مأمور بها واجبة كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه؛ فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين؟ بل ولا شُرع السفر إليه بل هو منهي عنه؟ وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه فهو مستحب والسفر إلى الكعبة للحج فواجب. فلو سافر أحد السفر الواجب والمستحب، لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه في حياته، فكيف بالسفر المنهي عنه؟ وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه، أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين؛ لم يكن عليه أن يوفي بنذره، بل ينهى عن ذلك.
ولو نذر السفر إلى مسجده أو المسجد الأقصى للصلاة فيه ففيه قولان للشافعي، أظهرهما عنه يجب ذلك، وهو مذهب مالك وأحمد. والثاني: لا يجب وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن من أصله أنه لا يجب من النذر إلا ما كان واجبًا بالشرع، وإتيان هذين المسجدين ليس واجبًا بالشرع فلا يجب بالنذر عنده. إلى أن قال: وأما السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين فلا يجب بالنذر عند أحد منهم لأنه ليس بطاعة فكيف يكون من فعل هذا كواحد من أصحابه، وهذا مالك كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستعظمه. والصحيح في توجيه قول مالك هذا لأن لفظ زيارة القبر مجمل يدخل فيها الزيارة البدعية التي هي من جنس الشرك؛ فإن زيارة قبور الأنبياء وسائر المؤمنين على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية، فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام عليهم والدعاء لهم، كما يقصد بالصلاة على أحدهم إذا مات فيصلى عليه صلاة الجنازة، والزيارة البدعية هي زيارة المشركين وأهل البدع، وهي التي تكون لدعاء الموتى وطلب الحاجات منهم، أو الدعاء عندها واعتقاد أن ذلك أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت.
فإذا كان لفظ الزيارة مجملًا يحتمل حقًا وباطلًا عُدِل عنه إلى لفظ السلام لأنه لا لبس فيه، ولم يكن لأحد أن يحتج بما روي في زيارة قبره أو زيارته بعد موته؛ فإن هذه كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة لا يحتج بشيء منا في أحكام الشريعة. والثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) (36) هذا هو الثابت في الصحيح. ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال: (قبري) ، وهو - صلى الله عليه وسلم - حين قال هذا القول لم يكن قد قُبِرَ بعدُ - صلوات الله وسلامه عليه -، ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة لما تنازعوا في موضع دفنه. ولو كان هذا عندهم لكان نصًا في محل النزاع، ولكن دفن في حجرة عائشة في الموضع الذي فيه - بأبي هو وأمي صلوات الله عليه وسلامه - ثم لما وسع المسجد في