فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 400

وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئًا من ذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحاب نبيهم والتابعين لهم بإحسان، ولا استحبَّ ذلك أحد من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عند قبره أن يشفع له أو يدعو لأمته أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين.

يواصل - رحمه الله - (40) الحديث في الرد على الذين يستغيثون بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وبغيره من الأموات فيقول: كان أصحابه يبتلون بأنواع من البلاء بعد موته، فتارة بالجدب وتارة بنقص الرزق. وتارة بالخوف وقوة العدو. وتارة بالذنوب والمعاصي ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكو إليك جدب الزمان أو قوة العدو أو كثرة الذنوب، ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم. بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين، وكل عبادة ليست واجبة ولا مستحبة بدليل من الشرع فهي بدعة باتفاق المسلمين، ومن قال في بعض البدع: إنها بدعة حسنة؛ فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله. ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب؛ فهو ضال متبع للشيطان؛ وسبيله من سبيل الشيطان. كما قال عبد الله بن مسعود: خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطًا وخط خطوطًا عن يمينه وشماله ثم قال: (هذا سبيل الله. وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] ) .

فهذا أصل جامع يجب على كل من آمن بالله ورسوله أن يتبعه، ولا يخالف السنة المعلومة، وسبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان باتباع من خالف السنة والإجماع القديم ولا سيما وليس معه في بدعته إمام من أئمة المسلمين، ولا مجتهد يعتمد على قوله في الدين، ولا من يعتبر قوله في مسائل الإجماع والنزاع، فلا ينخرم الإجماع بمخالفته ولا يتوقف الإجماع على موافقته. ولو قدر أنه نازع في ذلك عالم مجتهد لكان مخصومًا بالنسبة المتواترة وباتفاق الأئمة قبله؛ فكيف إذا كان المنازع ليس من المجتهدين ولا معه دليل شرعي، وإنما اتبع من تكلم في الدين بلا علم ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حرم ذلك وحرم ما يفضي إليه كما حرم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد؛ ففي"صحيح مسلم" (41) عن جندب بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال قبل أن يموت بخمس: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك) ، وفي"الصحيحين"عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال قبل موته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ؛ يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا (42)

واتخاذ المكان مسجدًا هو أن يتخذ للصلوات الخمس غيرها كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجدًا إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين؛ فحرم - صلى الله عليه وسلم - أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلاة فيها كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده؛ لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصد المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء عنده. فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله، والفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه. كما نُهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة (43) لما في ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت