فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 400

عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ [الشورى] .

ثم بيَّن الشيخ - رحمه الله - أن الناظر في القرآن: إن وضع الكلم مواضعه اهتدى، وإن حرف الكلم عن مواضعه ضل، فقال: إذا كان النظر في الدليل الهادي وهو القرآن فقد يضع الكلم مواضعه ويفهم مقصود الدليل فيهتدي بالقرآن، وقد لا يفهمه أو يحرف الكلم عن مواضعه فيضل به، ويكون ذلك من الشيطان؛ كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} [الإسراء] ، وقال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] ، وقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة] . وقال: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44] . وقال: {هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران] ؛ فالناظر في الدليل بمنزلة المترائي للهلال قد يراه، وقد لا يراه لعشى في بصره، وكذلك أعمى القلب.

وأما الناظر في المسألة فهذا يحتاج إلى شيئين: إلى أن يظفر بالدليل الهادي، وإلى أن يهتدي به وينتفع. فأمره الشرع بما يوجب أن ينزل على قلبه الأسباب الهادية ويصرف عنه الأسباب المعوقة، وهو ذكر الله تعالى والغفلة عنه؛ فإن الشيطان وسواس خناس، فإذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا غفل عن ذكر الله وسوس، وذكر الله يعطي الإيمان، وهو أصل الإيمان. والله سبحانه هو رب كل شيء ومليكه، وهو معلم كل علم وواهبه. والقرآن يعطي العلم المفصَّل ويزيد الإيمان. كما قال جندب بن عبد الله البجلي وغيره من الصحابة: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا (32) ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيه: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق] ، فأمره أن يقرأ باسم الله فتضمن هذا الأمر بذكر الله وما نزل من الحق، وقال: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق] . فذكر سبحانه أنه خلق أكرم الأعيان الموحدة عمومًا وخصوصًا وهو الإنسان. وأنه المعلم للعلم عمومًا وخصوصًا للإنسان، وذكر التعليم بالقلم الذي هو آخر المراتب ليستلزم تعليم القول وتعليم العلم الذي في القلب. وحقيقة الأمر أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من العلم والهدى طالبٌ سائل. فبذكر الله والافتقار إليه يهديه الله ويدله، كما قال: (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) (33) وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض. عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) (34)

يبيّن الشيخ (35) - رحمه الله - أن العلم إنما يحصل عن طريق التفكر والتدبر والتذكر فيقول: إن الطالب للعلم بالنظر والاستدلال والتفكر والتدبر لا يحصل له ذلك إن لم ينظر في دليل يفيده العلم بالمدلول عليه، ومتى كان العلم مستفادًا بالنظر فلا بد أن يكون عند الناظر من العلم المذكور الثابت من قلبه ما لا يحتاج حصوله إلى نظر؛ فيكون ذلك المعلوم أصلًا وسببًا للتفكر هو الحق المعلوم، وكان التفكير في مخلوقاته كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [آل عمران: 191] ، وقد جاء في الأثر: (تفكروا في المخلوق ولا تفكروا في الخالق) (36) ؛ لأن التفكير والتقدير يكون في الأمثال المضروبة والمقاييس، وذلك يكون في الأمور المتشابهة وهي المخلوقات وأما الخالق - سبحانه وتعالى - فليس له شبيه ولا نظير. فالتفكر الذي مبناه على القياس يمتنع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت