في حقه، وإنما هو معلوم بالفطرة فيذكره العبد. وبالذكر وبما أخبر به عن نفسه يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة لا تنال بمجرد التفكير والتقدير، أعني من العلم به نفسه فإنه الذي لا تفكير فيه. فأما العلم بمعاني ما أخبر ونحو ذلك فيدخل فيها التفكير والتقدير كما جاء به الكتاب والسنة. إلى أن قال:
وحصول العلم في القلب كحصول الطعام في الجسم، فالجسم يحس بالطعام والشراب، وكذلك القلوب تحس بما يتنزل إليها من العلوم التي هي طعامها وشرابها. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن) (37) ، وكما قال تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ} [الرعد: 17] ، وفي"الصحيحين"عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، وكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أمكست الماء فسقى الناس وزرعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً؛ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) (38) ؛ فضرب مثل الهدى والعلم الذي يتنزل على القلوب بالماء الذي ينزل على الأرض. وكما أن لله ملائكة موكلة بالسحاب والمطر فلله ملائكة موكلة بالعلم والهدى: هذا رزق القلوب وقوتها، وهذا رزق الأجساد وقوتها.
قال الحسن البصري في قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: 3] ، قال: إن من أعظم النفقة نفقة العلم أو نحو هذا الكلام. وفي أثر آخر: نعمت العطية ونعمت الهدية الكلمة من الخير يسمعها الرجل فيهديها إلى أخ له مسلم، وفي أثر آخر عن أبي الدرداء: ما تصدق عبد بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها إخوانًا له مؤمنين فيتفرقون وقد نفعهم الله بها. وعن كعب بن عجرة قال: ألا أهدي لك هدية؟ فذكر الصلاة على النبي (39) وروى ابن ماجه في"سننه"عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أفضل الصدقة أن يتعلم الرجل علمًا ثم يعلمه أخاه المسلم) (40) ، وقال معاذ بن جبل: عليكم بالعلم فإن طلبه عبادة وتعلمه لله حسنة، وبذله لأهله قربة، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، والبحث عنه جهاد، ومذاكرته تسبيح. ولهذا كان معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر. والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير؛ لما في ذلك من عموم النفع لكل شيء.
وعكسه كاتمو العلم فإنهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، قال طائفة من السلف: إذا كتم الناس العلم فعُمِل بالمعاصي احتبس المطر، فتقول البهائم اللهم العن عصاة بني آدم فإنا منعنا القطر بسبب ذنوبهم.
ثم عاد الشيخ - رحمه الله - إلى بيان اضطراب علماء الكلام وحيرتهم فقال (41) : إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالًا من قول إلى قول، وجزمًا بالقول في موضع وجزمًا بنقيضه، وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين؛ فإن الإيمان كما قال فيه قيصر لما سأل أبا سفيان عمن أسلم مع النبي - صلى الله عليه وسلم: هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد (42) ولهذا قال بعض السلف: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل.
وأما أهل السنة والحديث فما يُعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرًا على ذلك وإن امتحنوا بأنواع المحن وفتنوا بأنواع الفتن. وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين كأهل الأخدود ونحوهم وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة، حتى كان مالك - رحمه الله - يقول: لا تغبطوا أحدًا لم يصبه في هذا الأمر بلاء. يقول: إن الله لا بد أن يبتلي