نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: حَدَثٌ حَدَثَ بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم واختار ما نَحَتهُ فكرُه على ما تلقوه عن نبيهم، وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفي، فمنْ دونهم مقصر، ومن فوقهم مُفرط، لقد قصَّر دونهم أناس فجفوا وطمع آخرون فَغلَوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم.
ثم قال الشيخ - رحمه الله - (24) : وأما كونهم أعلم ممن بعدهم وأحكم، وأن مخالفهم أحق بالجهل والحشو فنبين ذلك بالقياس المعقول فنقول: من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلُّون به من صفات الكمال، ويمتازون عنهم بما ليس عندهم؛ فهم أكمل الناس عقلًا، وأعدلهم قياسًا، وأصوبهم رأيًا وأسدُّهم كلامًا، وأصحهم نظرًا، وأهداهم استدلالًا، وأحدُّهم بصرًا ومكاشفة، وأصوبهم سمعًا، وأتمهم فراسة، وأصدقهم إلهامًا، وأعظمهم وأحسنهم ذوقًا ووَجْدًا، وهذا هو للمسلمين بالنسبة إلى سائر الأمم، ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل. فكل مَن استقرأ أحوال العالم وجد المسلمين أحدّ وأسدّ عقلًا، وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك متمتعين. وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوِّي الإدراك ويصححه. قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17] ، وقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء] . وهذا يُعلم تارة بموارد النزاع بينهم وبين غيرهم فلا تجد مسألة خولفوا فيها إلا وقد تبين أن الحق معهم. وتارة بإقرار مخالفيهم ورجوعهم إليهم دون رجوعهم إلى غيرهم، أو بشهادتهم على مخالفيهم بالضلال والجهل، وتارة بشهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض، وتارة بأن كل طائفة تعتصم بهم فيما خالفت فيه الأخرى، فأما شهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض فهذا أمر ظاهر معلوم بالحسِّ والتواتر لكل من سمع كلام المسلمين، لا تجد أحدًا عُظِّم في الأمة تعظيمًا أعظم مما عظموا به، ولا تجد غيرهم يعظم إلا بقدر ما وافقهم فيه، كما لا يُنقَّص إلا بقدر ما خالفهم، حتى إنك تجد المخالفين لهم كلهم يُقر بذلك، كما قال الإمام أحمد: آية ما بيننا وبينهم يومُ الجنائز؛ فإنه في الحياة يعظم الرجل طائفته، فأما وقت الموت فلا بد من الاعتراف بالحق من عموم الخلق.
ولهذا لم يعرف في الإسلام مثل جنازته"يعني الإمام أحمد - رحمه الله -): مسح المتوكل موضع الصلاة عليه فوُجد ألفُ ألفٍ وستمائة ألف. سوى من صلى في الخانات والبيوت، وأسلم يومئذٍ من اليهود والنصارى عشرون ألفًا، وهو إنما نَبُل عند الأمة باتباع الحديث والسنة. وكذلك الشافعي وإسحاق وغيرهما إنما نَبُلوا في الإسلام باتباع أهل الحديث والسنة. وكذلك البخاري وأمثاله إنما نبلوا بذلك. وكذلك مالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وغيرهم إنما نبلوا في عموم الأمة، وقُبِل قولهم لما وافقوا فيه الحديث والسنة، وما تُكلم فيمن تكلم فيه منهم إلا بسبب المواضع التي لم يتفق له متابعتها من الحديث والسنة، إما لعدم بلاغها إياه أو لاعتقاده ضعف دلالتها أو رجحان غيرها عليها."
قال الشيخ (25) - رحمه الله: فالراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد، والمجاهد قد يكون عدلًا في سياسته وقد لا يكون، وقد يكون فيه فجور كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) (26) ، (وبأقوام لا خلاق لهم) (27) . ولهذا مضت السنة بأن يغزى مع كل أمير برًا كان أو فاجرًا، والجهاد عمل مشكور لصاحبه في الظاهر لا محالة، وهو مع النية الحسنة مشكور باطنًا وظاهرًا ووجه شكره: نصره للسنة والدين؛ فهكذا المنتصر للإسلام