والسنة يشكر على ذلك من هذا الوجه؛ فحمد الرجال عند الله ورسوله وعباده المؤمنين بحسب ما وافقوا فيه دين الله وسنة رسوله وشرعه من جميع الأصناف، إذ الحمد إنما يكون على الحسنات، والحسنات هي ما وافق طاعة الله ورسوله من التصديق بخبر الله والطاعة لأمره، وهذا هو السنة، فالخير كله باتفاق الأمة. وهو فيما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وكذلك لا يذم من يذم من المنحرفين عن السنة والشريعة وطاعة الله ورسوله إلا بمخالفته ذلك.
ومن تكلم فيه من العلماء والأمراء وغيرهم إنما تكلم فيه أهل الإيمان بمخالفته السنة والشريعة، وبهذا ذم السلف والأئمة أهل الكلام كابن كرام وابن كلاب والأشعري. وما تكلم من أعيان الأمة وأئمتها المقبولين فيها من جميع طوائف الفقهاء وأهل الحديث والصوفية؛ إلا بما يقولون إنهم خالفوا فيه السنة والحديث؛ لخفائه عليهم، أو إعراضهم عنه أو لاقتضاء أصل قياس مهدوه ردَّ ذلك. فإن مخالفة المسلم الصحيح الإيمان النصَّ إنما يكون لعدم علمه به أو لاعتقاده صحة ما عارضه. لكن هو فيما ظهر من السنة وعظُم أمره يقع بتفريط من المخالف وعدوان؛ فيستحق من الذم ما لا يستحقه في النص الخفي. وكذلك فيما يوقع الفرقة والاختلاف؛ يعْظُم فيه أمر مخالفة السنة، إلى أن قال الشيخ: ولهذا تجد أعظمهم موافقة لأئمة السنة والحديث أعظم عند جميعهم فمن هو دونه. فالأشعري نفسُه لما كان أقرب إلى قول الإمام أحمد ومن قبله من أئمة السنة كان عندهم أعظمَ من أتباعه. والقاضي أبو بكر بن الباقلاني لما كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره. وأما مثل الأستاذ أبي المعالي وأبي حامد ونحوهما ممن خالفوا أصوله فلا تجدهم يُعظمون إلا بما وافقوا فيه السنة والحديث، وأكثر ذلك تقلدوه من مذهب الشافعي في الفقه.
وكذلك المتأخرون من أصحاب مالك الذين وافقوه كأبي الوليد الباجي والقاضي أبي بكر بن العربي ونحوهما؛ لا يُعظمون إلا بموافقة السنة والحديث. وكذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه من الملل والنحل إنما يستحمد بموافقة السنة والحديث، مثل ما ذكر في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك، بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة، وكذلك ما ذكره في باب الصفات فإنه يستحمد فيه بموافقة أهل السنة والحديث، ويقول: إنه موافق للإمام أحمد في مسألة القرآن وغيرها، ولا ريب أنه موافق له ولهم في بعض ذلك، لكن الأشعري ونحوه أعظم موافقة للإمام أحمد بن حنبل ومن قبله من الأئمة في القرآن والصفات. وإن كان أبو محمد بن حزم في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره وأعلم بالحديث وأكثر تعظيمًا له ولأهله من غيره لكن قد خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صرفه عن موافقة أهل الحديث في معاني مذهبهم في ذلك، فوافق هؤلاء في اللفظ وهؤلاء في المعنى.
وبمثل هذا صار يذمه من يذمه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث باتباعه لظاهر لا باطن له؛ كما نفى المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق، وكما نفى خرق العادات ونحوه من عبادات القلوب، مضمومًا إلى ما في كلامه من الوقيعة في الأكابر والإسراف في نفي المعاني ودعوى متابعة الظواهر، وإن كان له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدفعه إلا مكابر، ويوجد في كتبه من كثرة الإطلاع على الأقوال والمعرفة بالأحوال والتعظيم لدعائم الإسلام ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره. فالمسألة التي يكون فيها حديث يكون جانبه فيها ظاهر الترجيح، وله من التمييز بين الصحيح والضعيف والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله لغيره من الفقهاء.
ثم بين الشيخ - رحمه الله - تعظيم الأمة للسنة والحديث فقال: وتعظيم أئمة الأمة وعوامها للسنة والحديث وأهله في الأصول والفروع من الأقوال والأعمال أكثر من أن يذكر هنا، وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقَوِي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى. وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك مثل: دولة المهدي والرشيد، ونحوهما ممن كان يعظم الإسلام والإيمان ويغزو أعداءه من الكفار