فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 400

يقال: كل ما سوى وجوده هالك، إذ ما ثم شيء يخبر عنه بأنه سوى وجوده؛ إذ أصل مذهبهم نفي السِّوى والغير في نفس الأمر.

2 -إذا قيل: إن معنى الآية أن ما سوى الله فليس وجوده من نفسه وإنما وجوده من الله فيكون المعنى: كل شيء ليس وجوده من نفسه إلا هو؛ قيل: استعمال لفظ الهالك في الشيء الموجود المخلوق لأجل أن وجوده من ربه لا من نفسه؛ لا يعرف في اللغة لا حقيقة ولا مجازًا، والآيات القرآنية تدل على أن الهلاك استحالة وفساد في الشيء الموجود. لا أنه يعني أنه ليس وجوده من نفسه.

3 -أنه إذا كان معنى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} كل شيء سوى الله فهو ممكن الوجود أما الله سبحانه فهو واجب الوجود؛ أي: كل شيء هالك بمعنى أنه من الممكن الوجود إلا وجهه، أي إلا الله فهو واجب الوجود، قيل: هذا من توضيح الواضح فإنه من المعلوم أن كل ما سوى واجب الوجود فهو ممكن الوجود.

4 -أن يقال: إن اسم الوجه في الكتاب والسنة إنما يذكر في سياق العبادة له، والعمل له والتوجه إليه، قال تعالى: {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} [الليل] ، وقال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان] ، وقال تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ، وإذا كان كذلك كان حمل اسم الوجه في هذه الآية على ما دل عليه في سائر الآيات؛ أولى من حمله على ما لا يدل عليه لفظ الوجه في شيء من الكتاب والسنة؛ لأن هذا استعمال للفظ فيما لم يرد به الكتاب.

5 -أن اسم الهلاك يراد به الفساد وخروجه عما يقصد به ويراد وهذا مناسب لما لا يكون لله فإنه فاسد لا ينتفع به في الحقيقة، بل هو خارج عما يجب قصده وإرادته، قال تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 26] ؛ أخبر أنهم يهلكون أنفسهم بنهيهم عن الرسول ونأيهم عنه. ومعلوم أن من نأى عن اتباع الرسول ونهى غيره عنه وهو الكافر؛ فإن هلاكه بكفره وهو حصول العذاب المكروه له دون النعيم المقصود.

انتهى ملخص كلام الشيخ في الرد على من فسر آية من القرآن بتفسير لم يرد في الكتاب والسنة وأنه تفسير باطل، وهذا ينطبق اليوم على كثير من جهال الكتبة الذين يفسرون القرآن حسب أفهامهم وآرائهم، أو يفسرون القرآن بنظريات حديثة من نظريات الطب أو علم الفلك، أو نظريات رواد الفضاء، ويسمون ذلك بالإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وفي هذا من الخطورة والكذب على الله الشيء الكثير، وإن كان بعض أصحابه فعلوه عن حسن نية وإظهار لمكانة القرآن إلا أن هذا عمل لا يجوز، قال - صلى الله عليه وسلم: (من قال في القرآن برأيه وبما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار) (4) . والقرآن لا يفسر إلا بالقرآن أو بالسنة أو بقول الصحابي كما هو معلوم عند العلماء المحققين، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

مما ذكر - رحمه الله - في رسالته العظيمة"التدمرية" (5) حيث قال: لا بد للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته من صفات الكمال، وينفي عنه ما يجب نفيه مما يضاد هذه الحال، ولا بد له في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره؛ فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته وعموم مشيئته، ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدره إيمانًا خاليًا من الزلل، وهذا يتضمن التوحيد في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت