انتهى كلامه - رحمه الله - باختصار، وحاصله أن طريق أهل السنة وأتباع الرسل البداءة بعبادة الله والدعوة إليها قبل كل شيء لأنه سبحانه معروف بالفطر لا يحتاج إلى الاستدلال عليه. وطريقة الفلاسفة والمتكلمين والمبتدعة البداءة بالاستدلال على إثبات وجود الرب أولًا ثم إثبات الرسالات كأنهم لم يعرفوا ربهم قبل ذلك تعالى الله عما يقولون {أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [إبراهيم: 10] ، ولهذا يقول أهل السنة وأتباع الرسل: إن أول واجب على المكلف عبادة الله وحده لا شريك له، ويقول علماء الكلام: إن أول واجب هو النظر والاستدلال عندهم؟ إنها طرق ملتوية مختلفة متناقضة لا تؤدي إلى نتيجة تامة ثم هي مخالفة لدعوة الرسل، حيث إن الرسل أول ما يبدءون بالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له لم يأمروا بالنظر والاستدلال أولًا، والله المستعان.
تفسير قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}
للشيخ - رحمه الله - كلام في تفسير قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] والرد على أهل الضلال الذين قالوا: إن معنى الآية أنه لا وجود للأشياء من جهة نفسها وإنما وجودها من جهة الله فهي موجودة بوجه ربها، أي: بإيجاده لها، وربما يغلو بعضهم فيقول: إن معنى الآية لا موجود إلا الله كما هو قول ابن عربي وغيره من أهل وحدة الوجود.
قال (3) : والمقصود هنا أن يقال: أما كون وجود الخالق هو وجود المخلوق فهذا كفر صريح باتفاق أهل الإيمان، وهو من أبطل الباطل في بديهة عقل كل إنسان، وإن كان منتحلوه يزعمون أنه غاية التحقيق والعرفان. وأما كون المخلوق لا وجود له إلا من الخالق سبحانه فهذا حق، ثم جميع الكائنات هو خالقها وربها ومليكها لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته وخلقه.
هو خالق كل شيء سبحانه وتعالى، لكن الكلام هنا في تفسير الآية بهذا؛ فإن المعاني تنقسم إلى حق وباطل، فالباطل لا يجوز أن يفسر به كلام الله، والحق إن كان هو الذي دل عليه القرآن فسر به، وإلا فليس كل معنى صحيح يفسر به اللفظ لمجرد مناسبة إذ دلالة اللفظ على المعنى سمعية، فلا بد أن يكون اللفظ مستعملًا في ذلك المعنى بحيث قد دلَّ على المعنيّ به، ولا يكتفى في ذلك بمجرد أن يصلح وضع اللفظ لذلك المعنى، إذ الألفاظ التي يصلح وضعها للمعاني ولم توضع لها لا يحصي عددها إلا الله. وهذا عند من يعتبر المناسبة بين اللفظ والمعنى كقول طائفة من أهل الكلام والبيان. وأما عند من لا يعتبر المناسبة فكل لفظ يصلح وضعه لكل معنى لا سيما إذا علم أن اللفظ موضوع لمعنى هو مستعمل فيه فحمله على غير ذلك المعنى لمجرد المناسبة كذب على الله، ثم إن كان مخالفًا لما علم من الشريعة فهو دأب القرامطة، وإن لم يكن مخالفًا فهو حال كثير من الوعاظ والمتصوفة الذين يقولون بإشارة لا يدل اللفظ عليها نصًا ولا قياسًا.
وإذا كان المقصود هنا الكلام في تفسير الآية، يعني قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] : كل وجود سوى وجوده فباطل، بل لا يجوز تفسير الآية بذلك التفسير المحدث، ثم ذكر - رحمه الله - وجوهًا لإبطال هذا التفسير المحدث ملخصها:
1 -أن الله سبحانه قال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} ، وهذا يقتضي أن ثم أشياء تهلك إلا وجهه، فإن أريد بوجهه وجوده اقتضى أن كل ما سوى وجوده هالك، فيقتضي أن تكون المخلوقات هالكة، وليس الأمر كذلك، وهو أيضًا؛ أي: هذا التفسير على قول الاتحادية فإنه عندهم ما ثم إلا وجود واحد، فلا يصح أن