فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 400

قال - رحمه الله: ومن أسمائه الهادي وقد جاء أيضًا البرهان؛ أي: من أسمائه سبحانه، ولهذا يذكر عن بعضهم أنه قال: عرفت الأشياء بربي ولم أعرف ربي بالأشياء. وقال بعضهم: هو الدليل لي على كل شيء. وقيل لابن عباس: بما عرفت ربك؟ فقال: من طلب دينه بالقياس لم يزل دهره في التباس، خارجًا عن المنهاج ظاعنًا في الاعوجاج، عرفته بما عرَّف به نفسه، ووصفته بما وصف به نفسه. فأخبر أن معرفة القلب حصلت بتعريف الله وهو نور الإيمان، وأن وصف اللسان حصل بكلام الله وهو نور القرآن، إلى أن قال: فإذا الحق الحي القيوم هو رب كل شيء ومليكه ومؤصِّل كلّ أصل ومسبِّب كلّ سبب وعلةٍ، هو الدليلُ والبرهانُ والأول والأصل الذي يستدل به العبد ويفزع إليه ويرد جميع الأواخر إليه في العلم كان ذلك سبيل الهدى وطريقه، كما أن الأعمال والحركات لما كان الله مصدرَها وإليه مرجعها؛ كان المتوكل عليه في عمله، القائل: إنه لا حول ولا قوة إلا بالله مُؤيدًا منصورًا. فجماع الأمر أن الله هو الهادي وهو النصير: {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 31] ، وكل علم فلا بد له من هداية، وكل عمل فلا بد له من قوة؛ فالواجب أن يكون هو أصل كل هداية وعلم وأصل كل نصرة وقوة ولا يستهدي العبد إلا إياه ولا يستنصر إلا إياه.

والعبد لما كان مخلوقًا مربوبًا مفطورًا مصنوعًا عاد في علمه وعمله إلى خالقه وفاطره وربه وصانعه؛ فصار ذلك ترتيبًا مطابقًا للحق وتأليفًا موافقًا للحقيقة، إذ بناء الفرع على الأصل وتقديم الأصل على الفرع هو الحق. فهذه الطريقة الصحيحة الموافقة لفطرة الله وخلقته ولكتابه وسنته، وأما الطريقة الفلسفية الكلامية فإنهم ابتدءوا بنفوسهم فجعلوها هي الأصل الذي يفرعون عليه، والأساس الذي يبنون عليه فتكلموا في إدراكهم للعلم أنه تارة يكون بالحس وتارة بالفعل وتارة بهما، وجعلوا العلوم الحسية والبديهية ونحوها هي الأصل الذي لا يحصل علم إلا بها.

إلى أن قال: وهذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل والمقاصد، أما المقاصد فإن حاصلها بعد التعب الكثير والسلامة خير قليل. فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر. لا سهل فيرتقى. ولا سمين فينتقل (2) . ثم إنه يفوت بها من المقاصد المحمودة ما لا ينضبط، وأما الوسائل فإن هذه الطرق كثيرة المقدمات ينقطع السالكون فيها كثيرًا قبل الوصول، ومقدماتها في الغالب إما مشتبهة يقع النزاع فيها. وإما خفية لا يدركها إلا الأذكياء، ولهذا لا يتفق اثنان رئيسان على مقدمات دليل إلا نادرًا، فكل رئيس من رؤساء الفلاسفة والمتكلمين له طريقة في الاستدلال تخالف طريقة الرئيس الآخر بحيث يقدح كل من أتباع أحدهما في طريقه الآخر. ويعتقد كل منهما أن الله لا يعرف إلا بطريقته. وإن كان جمهور أهل الملة بل عامة السلف يخالفونه فيها. مثال ذلك: أن غالب المتكلمين يعتقدون أن الله لا يعرف إلا بإثبات حدوث العالم ثم الاستدلال بذلك على محدثه، ثم لهم في إثبات حدوث العالم طرق؛ فأكثرهم يستدلون بحدوث الأعراضِ وهي صفاتُ الأجسام، ثم القدرية من المعتزلة وغيرهم يعتقدون أن إثبات الصانع لا يمكن إلا بعد اعتقاد أن العبد هو المحدث لأفعاله وإلا انتقض الدليل، ونحو ذلك من الأصول التي يخالفهم فيها جمهور المسلمين.

وأما الأنبياء فأول دعوتهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

فتدبر طرق العلم والعمل لتميز لك طريق أهل السنة والإيمان من طريق أهل البدعة والنفاق وطريق العلم والعرفان من طريق الجهل والنكران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت