فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 400

تكلم - رحمه الله - في موضوع مهم؛ لأن الشفاعة ضلّ في مفهومها كثير من الخلق قديمًا وحديثًا، حيث فهمها أكثر الخلق على غير مفهومها الصحيح؛ فكثير من المشركين بالغوا في إثبات الشفاعة حتى طلبوا من الأموات، وبنوا على قبورهم القباب، وطافوا حولها، وذبحوا عندها وملئوا صناديق النذور بالأموال التي هم بأَمَسِّ الحاجة إليها؛ كل ذلك طلبًا للشفاعة من الأموات! وإذا قيل لهم: هذا شرك بالله قالوا: {هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} [يونس: 18] {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] .

ويقابل هؤلاء المبالغين في إثبات الشفاعة مبالغة أوصلتهم إلى الكفر والشرك، يقابلهم قوم بالغوا في نفي الشفاعة متجاهلين النصوص التي جاءت بإثبات الصحيح فيها، ويمثل هذا الفريق المعتزلة والخوارج. وتوسط أهل السنة والجماعة فأثبتوا ما أثبته الله ورسوله من الشفاعة ونفوا ما نفاه الله ورسوله منها، وحيال ذلك يقول شيخ الإسلام (1) ابن تيمية - رحمه الله: الشفاعة المنفية في القرآن الكريم كقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] ، وقوله: {مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254] ، وقوله: {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ} [الشعراء: 100] ، وقوله: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] ، وقوله: {يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [الأعراف: 53] ، واحتج بكثير منه الخوارج والمعتزلة على منع الشفاعة لأهل الكبائر؛ إذ منعوا أن يُشفع لمن يستحق العذاب، أو أن يُخرج من النار من يدخلها ولم ينفوا الشفاعة لأهل الثواب في زيادة الثواب.

ومذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر وأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

ثم رده على المعتزلة والخوارج النافين للشفاعة مطلقًا استنادًا إلى ظاهر الأدلة التي فيها نفي الشفاعة، فقال: الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق، وهي: أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته، فأما إذا أُذن له في أن يشفع فشفع لم يكن مستقلًا في الشفاعة، وتكون شفاعته مقبولة ويكون الأمر كله للآمر المسئول.

وقد ثبت بنص القرآن في غير آية أن أحدًا لا يشفع عنده إلا بإذنه، كما قال تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ، وقال: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] ، وقال: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] وأمثال ذلك، والذي يبين أن هذه هي الشفاعة المنفية أنه قال: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنبياء: 51] ، وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة: 4] ؛ فأخبر سبحانه أنه ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع.

وأما نفي الشفاعة بدون إذنه؛ فإن الشفاعة إذا كانت بإذنه لم تكن من دونه، كما أن الولاية التي بإذنه ليست من دونه، كما قال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت