ومراد الشيخ التوسل بدعائه بأن يدعو الله لهم بالغيث، وهذا جاء في حال كون الشخص حيًا قادرًا على الدعاء، وأما الميت فلا يتوسل به ولا يطلب منه دعاء ولا غيره؛ لأنه لا يقدر على شيء، ولهذا قال الشيخ - رحمه الله - بعد ذلك: فقد ذكر عمر - رضى الله عنه - أنهم كانوا يتوسلون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته في الاستسقاء ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم به هو استسقاؤهم به بحيث يدعو ويدعون معه، وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته ولا في مغيبه.
ثم قال (64) - رحمه الله: من قال: ما لا يقدر عليه إلا الله لا يستغاث فيه إلا بالله؛ فقد قال الحق، يعني: ولا يستغاث بالمخلوق في ذلك لأنه شرك، وهذه هي التي قال بعضهم فيها: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاة الغريق بالغريق، وقال الآخر: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله) (65) ، وقال لابن عباس: (إذا استعنت فاستعن بالله) (66) ، وإذا نفى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه أمرًا كان هو الصادق المصدق في ذلك، كما هو الصادق المصدوق في كل ما يخبر به من نفي وإثبات. ومن رد خبره تعظيمًا له أشبه النصارى الذين كذبوا المسيح في إخباره عن نفسه بالعبودية تعظيمًا له؛ فنفى ما نفاه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وليس لأحد أن يقابل نفيه بنقيض ذلك البتة.
يعني - رحمه الله - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفى أن يستغاث به فلا يجوز لنا أن نخالف نفيه ونستغيث به؛ لأن هذا معصية له ومعارضة له فيما قال.
وقد تحصّل من كلام الشيخ - رحمه الله: أن الاستغاثة بالمخلوق على نوعين:
النوع الأول: الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه في حياته فهذه جائزة كاستغاثة المظلوم بمن يناصره على ظالمه ويدفع عنه الظلم؛ كما قال تعالى عن كليمه موسى - عليه الصلاة والسلام: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15] .
والنوع الثاني: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فهذه محرمة وهي شرك أكبر.
قال الشيخ - رحمه الله: والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعني في حياته ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، وأما بالمعنى الذي نفاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو أيضًا مما يجب نفيها. ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا الله فهو كافر، إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، ولهذا لا يعرف عن أحد من المسلمين أنه جوّز مطلق الاستغاثة بغير الله ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله.
قال: وقد يكون من كلام الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله فهذا يرد عليه فهمه. كما روى الطبراني في"معجمه الكبير": أنه كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق - رضى الله عنه: قوموا بنا نستغيث برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا المنافق. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله) (67) . فهذا إنما أراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - المعنى الثاني وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله.