فأجاب ـ رحمه الله ـ بقوله: الحمد لله. عيسى عليه السلام حي. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية) (4) وثبت في الصحيح عنه: (أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنه يقتل الدجال) (5)
وأما قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 55] ، فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت، إذ لو أراد بذلك الموت لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم ويعرج بها إلى السماء فعلم أن ليس في ذلك من خاصية، وكذلك قوله: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 55] ولو كان قد فارقت روحه جسده لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء أو غيره من الأنبياء، وقد قال تعالى في الآية الأخرى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157: 158] ؛ يبين أنه رفع بدنه وروحه كما ثبت في الصحيح أنه ينزل بدنه وروحه؛ ولهذا قال: من قال من العلماء {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} ؛ أي: قابض روحك وبدنك. يقال: توفيت الحساب واستوفيته. ولفظ التوفي لا يقتضي نفسه توفي الروح دون البدن ولا توفيهما جميعًا إلا بقرينة منفصلة.
وقد يراد به توفي النوم كقوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] ، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ} [الأنعام: 60] وقوله: {حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [الأنعام: 61] .
وسئل الشيخ ـ رحمه الله ـ: هل صح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الله ـ تبارك وتعالى ـ أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه، ثم ماتا بعد ذلك؟
فأجاب (6) لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث (7) ، بل أهل المعرفة متفقون على أن ذلك كذب مختلق، وإن كان قد روى في ذلك أبو بكرة - يعني الخطيب - في كتابه - السابق واللاحق ـ وذكره أبو القاسم السهيلي في - شرح السير - بإسناد فيه مجاهيل. وذكره أبو عبد الله القرطبي في التذكرة وأمثال هذه المواضع. فلا نزاع بين أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذبًا كما نص عليه أهل العلم. وليس ذلك في الكتب المعتمدة في الحديث، لا في الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد ونحو ذلك من الكتب المعروفة، ولا ذكره أهل كتب المغازي والتفسير، وإن كانوا قد يروون الضعيف مع الصحيح؛ لأن ظهور كذب ذلك لا يخفى على متدين؛ فإن مثل هذا لو وقع لكان مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله فإنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة.
ويرد الشيخ ـ رحمه الله ـ على رواية أن أبوي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحييا له وأسلما ثم ماتا، فيقول: ثم هذا خلاف الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع، قال الله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 17: 18] فبين الله تعالى: أنه لا توبة لمن مات كافرًا، وقال تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ