فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 400

خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر: 85] فأخبر ـ سبحانه ـ أن سنته في عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس؛ فكيف بعد الموت؟ وفي صحيح مسلم (8) : أن رجلًا قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أين أبي؟ قال: (إن أباك في النار) . فلما أدبر دعاه فقال: (إن أبي وأباك في النار) ، وفي صحيح مسلم (9) أيضًا أنه قال: (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة) . وفي الحديث الذي في المسند وغيره قال: (إن أمي مع أمك في النار) (10) فإن قيل: هذا في عام الفتح، والإحياء كان بعد ذلك في حجة الوداع ولهذا ذكر ذلك من ذكره، وبهذا اعتذر صاحب التذكرة؟ وهذا باطل لوجوه.

الأول: أن الخبر عما كان ويكون لا يدخله نسخ، كقوله في أبي لهب: {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد: 3] وقوله في الوليد: {سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} [المدثر: 17] وكذلك في: (إن أبي وأباك في النار) ، و: (إن أمي وأمك في النار) وهذا ليس خبرًا عن نار يخرج منها صاحبها، كأهل الكبائر، لأنه لو كان كذلك لجاز الاستغفار لهما، ولو كان قد سبق في علم الله إيمانهما لم ينهه عن ذلك، فإن الأعمال بالخواتيم، ومن مات مؤمنًا فإن الله يغفر له فلا يكون الاستغفار له ممتنعًا.

الثاني: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ زار قبر أمه لأنها كانت بطريقه بالحجون عند مكة عام الفتح، وأما أبوه فلم يكن هناك ولم يزره إذ كان مدفونًا بالشام في غير طريقه؛ فكيف يقال: أحييا له؟

الثالث: أنهما لو كانا مؤمنين إيمانًا ينفع؛ كانا أحق بالشهر والذكر من عميه: حمزة والعباس، وهذا أبعد مما يقوله الجهال من الرافضة ونحوهم من أن أبا طالب آمن، ويحتجون بما في السيرة من الحديث الضعيف، وفيه أنه تكلم بكلام خفي وقت الموت ـ ولو أن العباس ذكر أنه آمن لما كان قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: عمك الشيخ الضال كان ينفعك؛ فهل نفعته بشيء؟ فقال: (وجدته في غمرة من نار، فشفعت فيه حتى صار في ضحضاح من نار، في رجليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) (11)

هذا يعني أنه تكلم بكلام خفي وقت الموت باطل مخالف لما في الصحيح وغيره فإنه كان آخر شيء قاله: هو على ملة عبد المطلب. وأن العباس لم يشهد موته. مع أن ذلك لو صح لكان أبو طالب أحق بالشهرة من حمزة والعباس، فلما كان من العلم المتواتر المستفيض بين الأمة خلفًا من سلف أنه لم يذكر أبو طالب ولا أبواه في جملة من يذكر من أهله المؤمنين، كحمزة والعباس وعلي وفاطمة والحسن والحسين ـ رضي الله عنهم ـ كان هذا من أبين الأدلة على أن ذلك كذب.

الرابع: أن الله تعالى قال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} [الممتحنة: 4] إلى قوله: {لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ} [الممتحنة: من الآية 4] الآية، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: من الآية 114] فأمر بالتأسي بإبراهيم والذين معه، إلا في وعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار، وأخبر أنه لما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. والله أعلم.

وسئل ـ رحمه الله ـ عن الخضر وإلياس؛ هل هما معمران؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت